Reading Time: 5 minutes

في عام 2009، رصد تلسكوب كيبلر الفضائي أكثر من 200 ألف نجم في مجرة درب التبانة. كان يبحث عن الكواكب التي يُحتمل أن يوجد عليها أشكالٌ من الحياة تشبه التي على أرضنا، وذلك من خلال تحديد الكواكب الصغيرة الصخرية، والشموس الصفراء المعتدلة المماثلة لشمسنا الدافئة، ومعرفة مدى خصوصية الأرض في هذا الكون الشاسع. وبالرغم من أن التلسكوب أحدث ثورة في دراسة الكواكب الخارجية، إلا أنّ هدفنا الرئيسي في اكتشاف كواكب تشبه أرضنا ما يزال بعيد المنال. فقد أدّى عطل ميكانيكي في تلسكوب كيبلر عام 2013 إلى إيقاف مهمته، وسيكتشف علماء الفلك لاحقاً كوكباً واحداً فقط يشبه كوكب الأرض في البيانات التي جمعها التلسكوب.

بعد عقدٍ من الزمن، اقترب الباحثون كثيراً من الحصول على إجابة على الأسئلة التي طرحها كيبلر. من المحتمل أن تكون الكواكب الشبيهة بالأرض نادرة على الأرجح، ولكن ليس إلى حدٍ كبير. وفقاً لتحليل جديد لبيانات تلسكوب كيبلر، والذي نُشر في مايو/ آيار في دورية «أسترونوميكال جورنال»، فإن هناك احتمال تقريبي لوجود نجمٍ شبيه بكوكب الأرض لكّل شمسٍ من بين خمسة. إذا صحّت استنتاجات الباحثين، فهذا يعني أن درب التبانة قد تكون موطناً لما يقرب من 6 مليارات كوكبٍ شبيه بكوكب الأرض. ومع ذلك، من بين 4000 كوكب رصدناها خارج المجموعة الشمسية، لم نجد سوى كوكب واحد يشبه كوكبنا. إذاً أين البقية؟

يقول «ديرك شولتسه ماكوش»، عالم الفلك في الجامعة التقنية في برلين، وغير المشارك في الدراسة: «الكواكب الشبيهة بالأرض لا تختبئ، بل إن حساسية تلسكوباتنا ببساطة ليست جيدة بما يكفي حتى الآن لاكتشافها».

إذا أراد علماء الفلك العثور على أرضٍ ثانية، فإن الأبحاث التي تحسب تردد مثل هذه العوالم ستعطي التلسكوبات المستقبلية أفضل الاحتمالات لنجاحها.

في سياق معرفتنا الحالية للكواكب الخارجية، لا تعني عبارة «شبيه الأرض» بالضرورة أن نراها كنقطة زرقاء باهتة كأرضنا. من وجهة نظر التلسكوب، لا توجد نقطة على الإطلاق -مجرد وميضٍ متقطّع عرضي للنجم أثناء مرور كوكبٍ بجانبه، مما يحجب جزءاً صغيراً من ضوءه-. ولكن يمكن للباحثين استنتاج بعض الحقائق الرئيسية من هذا الوميض. على سبيل المثال، تشير الومضات العميقة إلى كواكب عملاقة، بينما يشير الوميض الباهت المتكرر إلى كوكبٍ يسير بسرعةٍ في مدارٍ ضيق. ويكتسب أي كوكبٍ اسم «شبيه الأرض» إذا وضعته خصائصه في ما يُسمى «النطاق الصالح للحياة»، والذي يشير إلى نطاقٍ معين من المدارات حول نجم (شمس) معين حيث تشير الحسابات التقريبية إلى أن حرارة ذلك النجم ستسمح للماء السطحي على الكوكب -الذي يدور في نطاقه الصالح للحياة- بالبقاء بالحالة السائلة.

تبنّت «ميشيل كونيموتو» -عالمة الكواكب الخارجية التي قادت التحليل الأخير- تعريفاً معيارياً واحداً لشرط اكتساب الكوكب صفة شبيه الأرض، حيث تقول: «كوكبٌ تبلغ أبعاده بين ثلاثة أرباع و1.5 مرة كوكبنا، ويدور حول نجمٍ شبيه بالشمس (أي من نمط G)، ويبعد بين 0.99 إلى 1.7 مرة بعد كوكب أرضنا عن الشمس. لا يحقق هذه المعايير في نظامنا الشمسي سوى كوكب الأرض، بالنظر إلى أن المريخ صغيرٌ جداً بينما مدار الزهرة قريبٌ جداً من الشمس».

من المحتمل -إلى حدٍّ بعيد- أن هناك كواكب تحقق الشروط الثلاثة كما تقترح كونيموتو -حيث حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا البريطانيا بموجب عملها هذا- لكن من الصعب رؤيتها حقاً. من الصعب رؤية الضوء الخافت القادم من الكواكب الصغيرة. علاوةً على ذلك، قد لا تمر أمام شمسها إلا مرة واحدة كل بضع مئاتٍ من الأيام في الوقت الذي يحتاج الفلكيون إلى ثلاث عمليات مرورٍ على الأقل ليقولوا بثقة أنه كوكبٌ شبيه بالأرض. ومما يزيد الأمر صعوبة، فمن الصعب الاعتماد على الشموس الصفراء في المقام الأول، والتي لا تشكّل سوى 7% من أصل 400 مليار نجمٍ في مجرة درب التبانة. فمعظم نجوم المجرة هي أقزام حمراء قاتمة، والتي قد تغمر الكواكب القريبة منها بلهيبها المميت.

لم يكن مخططو مهمّة كيبلر يعرفون ذلك على الإطلاق، ولم يكن لدى التلسكوب أي فرصة تقريباً لإكمال مهمته منذ البداية. فمن أجل رصد 3 عمليات عبور لكواكب أبطأ تدور في النطاق الصالح للسكن حول شموسها؛ كان على التلسكوب رصد نفس البقعة في السماء تماماً 3 مرات خلال أكثر من 7 سنوات. لكّن آلية التوجيه الخاصة به تعطلت بعد 4 سنوات، حيث لم تكن تلك المدة كافية إلا لاكتشاف الكواكب في النصف الداخلي فقط من المناطق المعتدلة لنجومها.

كذلك كان كيبلر مصمماً ليكتشف النجوم الشمسية التي تشبه نجومنا، لكن تبين أن لشمسنا خصوصية مختلفة بأكثر من طريقة. تقول كونيموتو: «تميل شمسنا لأن تكون هادئةً تماماً». بينما النجوم التي رصدها كيبلر كانت تستعر بشدة نتيجة احتراقها الداخلي. وتتابع كونيموتو: «لقد كان العثور على الكواكب الشبيهة بالأرض أصعب في الواقع مما توقعه مصممو مهمة كيبلر».

في الواقع، اكتشف كيبلر عدداً كبيراً من الكواكب الخارجية، كان معظمها كواكب عملاقة ضخمة وقريبة من شموسها. لكن الباحثين كانوا يحاولون اكتشاف الكواكب الأصغر حجماً والمألوفة والتي لم يتمكّن كيبلر من اكتشافها، مع استثناء بارز وحيد، وهو كوكب «كيبلر 452 بي»، وهو أكبر من الأرض بنسبة 10% وعامه أطول من عامنا بثلاثة أسابيع فقط.

أقمار, كواكب خارجية, النظام الشمسي, فضاء, ناسا

يعتمد العمل الجديد على طريقة طورها «دانلي هسو»، عالم الفلك في ولاية بنسلفانيا، في عام 2018. افترض العديد من الباحثين في الماضي أنه سيكون هناك انتشار متكافئ لأحجام ومدارات الكواكب، ولكن مع تزايد عدد الكواكب الخارجية المكتشفة، يبدو أن بعض أنواع العوالم أكثر شيوعاً من غيرها. بالنسبة للكواكب التي تقل سنتها عن 100 يوم أرضي، على سبيل المثال، العديد منها أعرض من كوكبنا بنسبة 50%، وكثير منها أعرض من كوكب الأرض بنسبة 150%، ولكن قليلاً منها أعرض من أرضنا بنسبة 200%. لاستيعاب هذه الشذوذات غير المبررة، قام هسو وكونيموتو بتقسيم بيانات كيبلر ضمن فئاتٍ مختلفة من الحجم والمدار، ثم قاموا بتحليلها جميعها بطريقة أكثر استقلالية. بينما ذهبت كونيموتو أبعد من ذلك، وأنشأت قائمة خاصة بها للكواكب الخارجية المرشحة دون الاعتماد على الكتالوج الرسمي.

في النهاية، وجدت كونيموتو أن كوكباً يشبه الأرض قد يدور حول نجم واحد من بين 5 نجوم تشبه شمسنا، وتؤكد أن هذا الرقم يمثل الحد الأعلى، وأن هذه الكواكب يمكن أن تكون أكثر ندرة إلى حدٍ ما. تمثل نتائج كونيموتو إجماعاً على أن نسبة وجود الأرض إلى وجود الشمس في درب التبانة المحلية يجب أن تتمحور حول نسبة واحد إلى عشرة. تقر كونيموتو بأن هذا الرقم لا يزال تقريبياً إلى حدٍ ما، ولكنه أكثر إحكاماً من الأرقام السابقة التي اقترحت وجود شبيه بالأرض لكل 50 شمس، إلى وجود أرضين اثنتين تدوران حول شمس واحدة.

يصف شولتز ماكوتش التقدير بـ «المعقول»، ويقول أن هذا النوع من الأبحاث يمنحنا لمحة قيّمة عن الإجابات المحتملة على الأسئلة السابقة، مثل: هل كان نظامنا الشمسي نموذجياً، أم كان نوعاً من نظام مختلف؟

مع ذلك، يحذر شولتز من تخيل مجرتنا بأنها مليئة بمليارات الأجرام السماوية الزرقاء والخضراء الشبيهة بكوكبنا. فالمعايير المحددة ليكون كوكبٌ ما شبيهاً بكوكبنا، من مدارٍ وحجمٍ ونوعية النجوم، لا تذكر إلا القليل فيما إذا كان لتلك الكواكب أجواء واقية، ودروع مغناطيسية، أو مياه وغيرها من الشروط اللازمة للحياة.

قد تساعد نتائج وتقديرات كونيموتو أيضاً في تحسين المهام المستقبلية بشكل أفضل من مهمة كيبلر، وتمنحها فرصة أكبر لاكتشاف كواكب تشبه الأرض. كلما كانت هذه الكواكب أكثر شيوعاً، كلما تمكن مخططو المهمة أكثر من التركيز على تصميم الأدوات القادرة على مسح الكواكب الفردية، أي على العكس من المهمات التي كانت فيها عمليات المسح أوسع وأشمل.

ويأمل شولتز، على سبيل المثال، في أن تحمل المهمات المستقبلية تقنية «الظلّ النجمي»، التي تحجب أضواء النجوم لتتمكّن من اكتشاف الكواكب الخارجية المختبئة خلفها كبكسلاتٍ مُفردة، والتي يمكن أن تكشف اختلافاتها عن المواسم التي تكون فيها أو عن الجليد عليها. يمكن لهذه الابتكارات أن تضيّق تعريف الباحثين لمحددات ما يجب أن يكون عليه كوكبٌ ما ليشبه الأرض، لكن شولتز لا يتوقع اكتشافاً واضحاً وصريحاً لكوكبٍ يشبه الأرض قريباً، ويقول أن ذلك ما يزال بعيد المنال.

«إذا استخدمنا التكنولوجيا المتوفرة لدينا الآن، فإن الأمر يبدو وكأننا على بعد سنوات ضوئية من اكتشافٍ كوكبٍ يشبه أرضنا».