Reading Time: 5 minutes

في عمق غابات الأمازون وبين أشجارها المتداخلة يجري نهر طويل وواسع ومتعرج، مياهه حارة لدرجة أنه يمكنك أن تحضّر الشاي منها، وتطهى فيه اللحم؛ انطلق المستكشف «أندريس روزو» في مغامرة ليكشف أسرار هذه الأعجوبة الطبيعية التي لم يفسرها أحد قبله ليحكي قصة «النهر المغلي»، ونشر دراسته للنهر على موقع ريسرتش حيت

بجوار النهر الغامض 

يقع النهر المغلي في الأمازون في جمهورية بيرو، وسط غابة منخفضة. تستغرق الرحلة من «ليما» عاصمة بيرو حوالي أربع ساعات متفرقة بين الطائرة والسيارة والزورق الكهربائي حتى تصل إلى النهر المغلي، والذي وجد فيه العلماء أشكال حياة جديدة ونادرة من الأحياء التي تأقلمت مع الظروف القاسية في النهر وحوله.

يلتقي النهر المغلي عند مصبّه بنهر آخر يُسمى «باتشيتيا»، مياه باتشيتيا باردة، لكن فور التقاءه بالنهر المغلي ترتفع حرارته فوراً. الأمر المثير للفضول بشأن النهر هو أنه يبدأ فعلياً كتيار بارد، ثم يسخن، ثم يبرد مرة أخرى قليلاً في الليل. وتتراوح درجات الحرارة فيه من 27 درجة مئوية تقريباً إلى 94 درجة مئوية كأقصى حد. ويبلغ إجمالي مجرى النهر حوالي 9 كيلومترات، لكن 6.24 كيلومتراً في الجزء السفلي من النهر تكون ساخنة. 

موطن أرواح الغابة القوية

الصورة: موقع ذا بويلينج ريفر/ تصوير: أندريس روزو

تعيش على ضفاف النهر المغلي مجموعتان من السكان المحليين تسميّان «الشامان». ويسمون النهر «شاناي تيمبيشكا» ويعني الاسم «الذي يغلي بفعل حرارة الشمس». وفقاً للشامان يُعد النهر مكاناً للقوة الروحية الهائلة، وموطناً لأرواح الغابة القوية.

يعتقد الشامان أيضاً أن كل موقع على النهر هو موطن لروح غابة فريدة من نوعها، وفيه روح ثعبان كبيرة جداً تسمى «ياكوماما» تلد مياهاً ساخنة وباردة. ويعزفون الأغاني لروح البخار، التي يعتقد أنها تحمل صلوات الصخور والغابات وكل الخلائق إلى خالقها. النهر جزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية، يشربون الماء منه، ويستعملون بخاره، ويطهون طعامهم به، وينظفون به، حتى أنهم يصنعون أدويتهم منه. 

قصص الأجداد تستحق المغامرة

الصورة: موقع ذا بويلينج ريفر/ تصوير: أندريس روزو

يحكي المستكشف أندريس روزو قصة استكشافه للنهر، ويقول أنه سمع عنه لأول مرة من جده البيروفي الذي وصفه له «بأنه يغلي وكأن ناراً تحترق تحته. وأنه بعد غزو الإسبان لحضارة الإنكا، جاء سكان إسبانيا الأصليين المتعطشين للذهب والمجد. وكانوا يذهبون للمدن ويسألون سكان الإنكا، أين توجد حضارة أخرى يمكننا غزوها؟ أين يوجد المزيد من الذهب؟ وأخبرهم سكان الإنكا كنوعٍ من الإنتقام، اذهبوا إلى منطقة الأمازون، ستجدون هناك كل الذهب الذي تريدون، فانطلق الإسبان إلى الأدغال، ولكن عاد القليل منهم ومعهم قصص وحكايات، قصص عن قوة الشامان، عن محاربين بالسهام المسمومة، والأشجار العالية التي تصل للشمس، للعناكب التي أكلت الطيور، والأفاعي التي تبتلع رجل بالكامل، والنهر الذي يغلي».

وعندما أصبح روزو عالم جيوفيزيائي، قرر التحقيق فيما إذا كانت هذه القصة صحيحة أم لا، وما إذا كان بإمكان العلم تفسيرها. ويقول: «سألت مجموعة من الخبراء عن معلوماتهم حول النهر المغلي، قال معظمهم إنها مجرد أسطورة، حتى أن أحد الأساتذة قال لي توقف عن طرح الأسئلة الغبية. لكن عمته أخبرته أنه موجود وأنها رأته بالفعل، وأن الشامان يحرسونه».

روزو الذي أسس موقعاً الكترونياً متخصص للنهر فقط بعنوان ذا بويلينج ريفر؛ حمل حقيبته وانطلق ليتأكد من حقيقة وجوده وعندما وصل إليه بعد رحلة شاقة ومثيرة، وجده وبدأ بدراسته. ويقول: «تلقيتُ موافقة الشامان لدراسة النهر، على شرط أنه وبعد أخذي عينات الماء وتحليلها في مختبري، أينما كنتُ في العالم، عليّ سكب الماء على الأرض مرة أخرى وبذلك، وكما قال الشامان، يُمكن للمياه أن تجد طريق العودة لبيتها النهر».

كيف فسر العلماء سبب غليان ماء النهر؟

الصورة: موقع ذا بويلينج ريفر/ تصوير: أندريس روزو

لإنشاء نظام كبير للطاقة الحرارية الأرضية مثل هذا، تحتاج إلى ثلاثة أشياء: مصدر هائل للحرارة، وكمية كبيرة من المياه، ونظام سِباكة ينقل هذا الماء الساخن من الأعماق حتى السطح.

إحدى الفرضيات التي تفسر سبب غليان ماء النهر تقول أن هذه ميزة بركانية لكن لا يوجد براكين في الأمازون، وأقرب بركان يبعد عن النهر أكثر من 700 كيلومتراً؛ وتقول فرضية أخرى أن الماء غير بركانية، بل يتدفق الماء الساخن من الأرض بمعدل مرتفع بنحوٍ غير طبيعي، فكلما تعمقنا في الأرض كلما ازدادت سخونة، هذا يسمى التدرج الجيوحراري، في درجات الحرارة هذه، يجب أن يأتي الماء من أعماق  كبيرة جداً وبسرعة كبيرة جداً.

أما النظرية الأخيرة، هي أن هذا المكان لم يكن طبيعياً على الإطلاق ولكنه نتيجة حادث حقل نفط. يقع النهر على بعد 2-3 كيلومترات فقط من أقدم حقل نفط نشط في منطقة الأمازون في بيرو. إذا كان هناك تدفق للنفط والغاز ينتج فقط الماء الساخن ولكن بدون هيدروكربونات أو غاز. الاحتمال الآخر هو أن تدفق النفط والغاز يتحول عن طريق الخطأ إلى نظام حرارة الأرض. 

لكن في الواقع، يعتبر نهر الغليان ميزة طبيعية، ميزة غير بركانية ذات حرارة جوفية تتدفق بمعدلات عالية على نحوٍ غير طبيعي مشكلة نظام مائي حراري. وإحدى الفرضيات حول أصول نهر الغليان هي أن شركة تنقيب عن الغاز أدت إلى تمزيق نظام الطاقة الحرارية الأرضية.

ويشرح روزو في حديث له على منصة تيد عن النهر المغلي: «التصدعات تغذي الينابيع الحارة. وكما لدينا الدم الحار يجري من خلال الأوردة والشرايين، هكذا الأرض أيضاً، لديها المياه الحارة التي تمرُ عبر الشقوق والتصدعات، حيثُ تأتي هذه الشرايين للسطح، من شرايين الأرض هذه، سنحصل على مظاهر الطاقة الحرارية الأرضية: المنافذ البركانية والينابيع الحارة، وفي حالتنا هنا، النهر الذي يغلي». 

النهر المغلي: مغامرة واستكشاف في الأمازون

الصورة: موقع ذا بويلينج ريفر/ تصوير: أندريس روزو

إن غرابة وعظمة هذا النهر دفعت روزو لتأليف كتاب يحكي أسرار وعجائب هذا النهر، أسماه «النهر المغلي: مغامرة واستكشاف في الأمازون The Boiling River: Adventure and Discovery in the Amazon». يتألف الكتاب من 144 صفحة، تقرأ على غلافه: «هذا المستكشف الشاب يبحر في مجموعة متشابكة من المصالح المتنافسة – الشامان المحليون، ومزارعي الماشية غير القانونيين وقاطعي الأشجار وشركات النفط. هذه مغامرة في العصر الحديث، مكتملة بشخصيات غير عادية، وتقلبات حبكة آسرة، وتفاصيل مذهلة – بما في ذلك صور مذهلة وما لم يُنشر من قبل حول هذه الأعجوبة الطبيعية المذهلة».

وتقرأ في طيّات صفحاته أيضاً: «في كل مكان حولي، تتصاعد الأبخرة مثل الأشباح في ضوء النجوم. بعضها تيارات ضباب رقيقة؛ والبعض الآخر غيوم كبيرة تتشكل في حركة بطيئة. أستلقي على الصخرة وما زلت أشاهد البخار يتصاعد في الليل. عندما يهب نسيم بارد، يتكاثف الضباب ويتدحرج ، مكوناً دوامات رمادية زرقاء باهتة على السماء. عندما يلمس ظهري وساقي سطح الصخرة، أتعرق قليلاً. سيل من الماء، حار بدرجة كافية لقتلي، على نطاق أوسع من طريق ذي مسارين، يمر عبر صخرتي، ويصدر هديراً يغرق خارج جوقة الغابة الليلية. أصبحت هذه واحدة من أعظم مغامرات حياتي، وستكون هذه هي القصة التي سأرويها لأولادي وأحفادي».

وختم روزو حديثه على تيد بقوله: «بالنسبة للشامان ومجتمعه، فإن النهر مكان مقدس، وبالنسبة لي كعالم جيولوجي، هي ظاهرة الطاقة الحرارية الأرضية الفريدة من نوعها، ولكن بالنسبة لقاطعي الأشجار غير القانونين وللمزارعين رعاة الماشية، فهو مجرد مصدر آخر للنفع. وبالنسبة لحكومة بيرو، فإنها مجرد مساحة أخرى من الأراضي غير المحمية الجاهزة للتحسين».