Image

مقتطفات من كتاب "Accessory to War".

Bread assortment يمكن أن نرى بقايا المستعرات العظمى في أعلى اليسار من هذه الصورة التي التُقطت في 1999 لسديم العنكبوت، وسواء كان الموضوع يتعلق بالقنابل أو بالمستعرات العظمى، فإن كلاً من أخصائيي الفيزياء الفلكية والعسكريين يهتمون على حد سواء بدراسة الانفجارات.
مصدر الصورة: ناسا

شهد القرن العشرون الكثيرَ من المشاريع المشتركة ما بين الفيزيائيين الفلكيين والعسكريين، ومن أشهرها القنبلة الحرارية النووية الاندماجية، والتي تعتمد مبادئ تصميمها جزئياً على دراسات الفيزيائيين الفلكيين للبوتقة الكونية الموجودة في قلب كل نجم، ومن الأمثلة الأقل انفجاراً على هذا التعاون في قرننا الحالي هي أداة كيمكام -اختصاراً لكلمتي (كيمياء وكاميرا)- المثبَّتة على العربة الجوالة كيوريوسيتي، والتي بدأت تجوب سطح المريخ في أغسطس 2012، ومن موقعها المرتفع على صارية العربة، تُطلق كيمكام نبضات ليزرية على الصخور والتربة، ومن ثم تستخدم مقياسها الطيفي لتحليل التركيب الكيميائي للمادة التي قامت للتو بتبخيرها.

 

هذا مقتطف من كتاب: “Accessory to War: The unspoken alliance between astrophysics and the military” (شركاء في الحرب: التحالف غير المعلن بين الفيزياء الفلكية والمجال العسكري)، وهو من تأليف نيل ديجراس تايسون وأفيس لانج.
مصدر الصورة: تايسون ولانج

من الذي بنى كيمكام؟ أو بالأحرى: ما الذي بناها؟ مختبر لوس ألاموس الوطني الأميركي؛ مسقط رأس القنبلة النووية، ومنبع مئات الأدوات للمركبات الفضائية التي صُمِّمت فقط للاستخدامات العسكرية، كما أنه مقر مركز علوم الأرض والفضاء؛ وهو قسم تابع للمركز التعليمي للأمن القومي، إضافة إلى كونه مركز تجمع ودعم للفيزيائيين الفلكيين.

يعمل مختبر لوس ألاموس تحت رعاية إدارة الأمن النووي القومي، والتي تصون وتحمي مخزون أميركا من الأسلحة النووية، وفي نفس الوقت تعمل على الحدِّ من انتشار هذه الأسلحة في أنحاء العالم. ويستخدم الفيزيائيون الفلكيون في المختبر -من أجل حساب ناتج الاندماج الهيدروجيني داخل النجم- نفسَ الحاسوب الخارق والبرمجيات التي يستخدمها الفيزيائيون من أجل حساب ناتج القنبلة الهيدروجينية، ولا يوجد مثال أوضح من هذا على الاستخدام المزدوج.

ولنفترض أنك ترغب في معرفة ما يحدث أثناء انفجار قنبلة نووية؛ تخيَّل إذا كنت تريد حصر المعاملات الكثيرة للجسيمات تحت الذرية، وتتبع تفاعلاتها وتحولاتها إلى بعضها البعض تحت شروط خاضعة للتحكم من درجة حرارة وضغط -ناهيك عن الجزيئات التي تتشكل أو تتدمر أثناء العملية- فحينئذٍ ستدرك بسرعة أنك في حاجة إلى أكثر من مجرد ورقة وقلم، ستحتاج حينها إلى حواسيب فائقة القوة.

ويمكن لحاسوب مبرمج بشكل جيد أن يحسب المعاملات الهامة لتصميم القنبلة النووية، وتفجيرها، وناتج تفجيرها، بحيث يمكن أن يتوقع نتيجة التجربة، وبالطبع كلمة “تجربة” هنا تعني تفجير قنبلة نووية حقيقية؛ إما في اختبار ميداني أو أثناء الحرب، وقد اعتمد مختبر لوس ألاموس -خلال مشروع مانهاتن في الأربعينيات- على آلات حاسبة ميكانيكية وحواسيب من آي بي إم تعمل بالبطاقات المثقبة، وذلك من أجل حساب ناتج القنبلة الذرية. وقد تزايدت قوة الحوسبة بشكل مضاعف عقداً بعد عقد، وتزايدت معها إمكانية حساب ما يحدث بالضبط خلال الانفجار النووي وفهمه بالتفصيل، كما أن احتياجات مختبر لوس ألاموس أدَّت إلى سعي دائم لبناء أسرع الحواسيب في العالم.

وقد ظهر في الستينيات الجيلُ الثاني من الحواسيب المزودة بالترانزستورات التي سرَّعت إلى حد كبير من أدائها، وقد ساهمت في تحقيق اتفاقية حظر الاختبارات النووية في 1963، وعلى الرغم من أن الأجيال اللاحقة من الحواسيب لم تتمكن من إيقاف سباق التسلُّح، إلا أنها قدَّمت وسيلة عملية لتجربة الأسلحة بدون تفجير أي شيء فعلياً، وبحلول العام 1998 أصبح الحاسوب الخارق بلو ماونتن في مختبر لوس ألاموس قادراً على تنفيذ 1.6 تريليون عملية حسابية في الثانية، وبحلول العام 2009 تمكَّن الحاسوب الخارق رودرانر في المختبر من زيادة الرقم السابق بأكثر من ستمئة ضعف؛ محقِّقاً 1 كوادريليون (مليون مليار) عملية حسابية في الثانية، كما حقق المختبر في نهاية العام 2017 قفزة جديدة مع الحاسوب الخارق ترينيتي الذي تفوَّق في السرعة على سابقه بأربعة عشر ضعفاً.

ونحن نعلم أن النجوم تولِّد الطاقة بنفس مبدأ عمل القنبلة الهيدروجينية، الفرق فقط هو أن الاندماج النووي الذي يجري في قلب النجم يتم التحكم فيه واحتواؤه بفعل كتلة النجم نفسه، أما في انفجار الاندماج النووي المستخدم للأغراض العسكرية لا يخضع لأي تحكم، وهو طبعاً الهدف الأساسي من القنبلة، ولهذا ارتبط الفيزيائيون الفلكيون بمختبر لوس ألاموس وحواسيبه الخارقة منذ فترة طويلة، ويمكنك أن تتخيل العلماء وهم منهمكون في العمل على كلتا جهتي جدار السرية؛ ففي إحدى الناحيتين يعمل الباحثون على مشاريع سرية “تهدف لتحسين الأمن القومي عن طريق التطبيق العسكري للعلوم النووية”، وفي الناحية الأخرى باحثون يحاولون فهم حياة وموت النجوم في الكون، وفي الواقع فإن كلاً من الجانبين مكمِّلٌ للآخر في احتياجاته واهتماماته وموارده.

وإذا كنت ترغب في المزيد من الأدلة، يمكنك أن تفتِّش في نظام المعلومات الفيزيائية الفلكية لناسا ومرصد سميثسونيان الفيزيائي الفلكي للأبحاث المنشورة في 2017 -والتي يرتبط باحثوها بمختبر لوس ألاموس الوطني الأميركي- وحينئذٍ ستجد 102 بحث؛ مما يعني أن في المتوسط يتم نشر بحث واحد كل 3.6 يوماً، وهذه هي الأبحاث غير السرية فقط، أما إذا وسَّعت بحثك ليشمل الأبحاث المتعلقة بمختبر لوس ألاموس عبر السنوات الماضية، فستجد أن المستعرات العظمى من المواضيع المفضَّلة على الدوام في هذه الأبحاث؛ فقد نُشر مثلاً في عام 2013 “مشروع الضوء المنحني للمستعر الأعظم في مختبر لوس ألاموس: أساليب الحوسبة”، وفي العامين 2013 و2014 وُجدت ثلاثة أبحاث متتابعة، وهي: “اكتشاف الانفجارات الكونية الأولى؛ 1- المستعرات العظمى ذات اختلال الاستقرار المزدوج”، و”2- المستعرات العظمى ذات النواة المنهارة”، و”3- المستعرات العظمي ذات اختلال الاستقرار المزدوج النبضي”.

وستجد في عام 2006 بحثاً بعنوان “نمذجة صدمات المستعرات العظمى بالليزرات الشديدة”، أما في السنوات الأسبق فسوف تجد عناوين مثل “اختبار الفيزياء الفلكية ضمن المختبر: محاكاة باستخدام كود فلاش” المنشور في عام 2003، و”انفجارات أشعة جاما: أقوى الانفجارات الكونية” في عام 2002.

وعلى الرغم من ولادة التحالف بين الفضاء والأمن القومي في أجواء الرعب التي سادت الحرب الباردة، إلا أنه ما زال على أحسن ما يرام في تقلُّبات الأجواء الجيوسياسية في القرن الواحد والعشرين، وفي كلا الاتجاهين.

error: Content is protected !!