Image

ليست هذه هي المرة الأولى.

Bread assortment ليس لدى الروبوتات مشاعر، ولكن لو كانت لديها فقد تشعر بالقلق من دخولها في فصل جديد من فصول شتاء الذكاء الاصطناعي.
مصدر الصورة: بيكس هير

من السيارات ذاتية القيادة إلى تسريع عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي -والتي يتولى تفسيرها أخصائيون روبوتيون- وصولاً إلى قراءة الأذهان وصور الأشعة السينية، يَعِدنا الذكاء الاصطناعي بتغيير العالم بشكل جذري، بل يمكن أن نقول إن هذه التغييرات بدأت تظهر في بعض المجالات، ويكفي -إذا لم تصدق- أن تسأل أحد المساعدات الرقمية.

يتخذ الذكاء الاصطناعي الكثير من الأشكال المختلفة، ولكن يمكن تعريفه بشكل تقريبي على أنه: نظام حاسوبي قادر على التعامل مع المهام البشرية مثل فهم الحواس واتخاذ القرار. وقد وقع الذكاء الاصطناعي منذ بداياته ضحيةً لنوبات متتابعة من الحماس الشديد التي يليها انهيار سريع، وعلى الرغم من أن التطورات التقنية الأخيرة قد تضع حداً لهذا النمط المتقلب -والذي يسمى بشكل ساخر “شتاء الذكاء الاصطناعي”- إلا أن بعض العلماء ما زالوا على قناعة بأن الشتاء مقبلٌ ثانية.

ما هو شتاء الذكاء الاصطناعي؟

لطالما فكر البشر في إمكانية وجود ذكاء اصطناعي على مدى آلاف السنوات؛ فقد اعتقد الإغريق القدماء مثلاً أن رجلاً نحاسياً يُسمى تالوس كان يحرس جزيرة كريت من أعدائها البحريين. غير أن الذكاء الاصطناعي لم ينتقل من مرحلة الخرافة إلى نطاق الواقع إلا في الخمسين سنة المنصرمة، بَدءاً مع عالم الحاسوب الأسطوري آلان تيورينج، ومقالته الهامة في 1950، والتي طرحت سؤالاً هاماً وقدمت الهيكلة اللازمة للإجابة عنه، وهو: “هل تستطيع الآلات أن تفكِّر؟”.

في ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة في خضم الحرب الباردة، وقرر أعضاء الكونجرس أن يستثمروا مبالغ كبيرة في الذكاء الاصطناعي بصفته جزءًا من إستراتيجية أمنية شاملة، وقد تركزت الاستثمارات في تلك الفترة على الترجمة، خصوصاً بين اللغتين الروسية والإنجليزية، ووفقاً لأخصائي اللغة المحوسبة جون هاتشينز -الذي كان يتحدث عن تاريخ آلات الترجمة- فقد كانت السنوات ما بين 1954 و1966 تمثل “عقداً من التفاؤل”؛ حيث اعتقد الكثير من العلماء البارزين بحتمية تحقيق إنجازات هامة، كما فاض مجال الذكاء الاصطناعي بالتبرعات من المموِّلين الأثرياء.

غير أن الإنجازات لم تتحقق بسرعة كما كان يبدو، ففي عام 1966 نشر سبعة علماء من اللجنة الاستشارية حول المعالجة الآلية للغة تقريراً بطلب من الحكومة، وخلص هذا التقرير إلى أن الترجمة الآلية كانت أبطأ وأكثر تكلفة وأقل دقة من الترجمة البشرية، وترتَّب على ذلك إلغاء التمويل فورياً، ووصلت آلات الترجمة “إلى نهاية فعلية، لمدة أكثر من عقد كامل” كما كتب هاتشينز. ومنذ ذلك الحين، اتجهت الأمور نحو الأسوأ؛ ففي عام 1966 فرض الكونجرس على وكالة المشاريع والأبحاث الدفاعية المتقدمة (داربا) أن تقتصر في تمويلها على المشاريع ذات التأثير المباشر على المجهود العسكري؛ مما أدى إلى انتهاء العمل على الكثير من المشاريع العلمية الاستكشافية والأساسية، بما في ذلك أبحاث الذكاء الاصطناعي، والتي كانت داربا تمولها.

ووفقاً لتاريخ الحوسبة من جامعة واشنطن، “اضطر علماء الذكاء الاصطناعي إلى إطلاق أسماء أخرى على برامجهم خلال شتاء الذكاء الاصطناعي؛ وذلك للمحافظة على التمويل”، ويذكر هذا البحث أن “المعلوماتية” و”التعلم الآلي” كانت من ضمن المصطلحات التي ظهرت في تلك الفترة. ثم شهدت السبعينيات عودةً خجولةً للذكاء الاصطناعي بسبب النجاح اللافت لآلة ليسب؛ وهي محطة عمل فعَّالة ومتخصصة ومكلفة، اعتقد الكثيرون أنها تمثل مستقبل العتاد الصلب للذكاء الاصطناعي، غير أن هذه الآمال سُحقت في أواخر الثمانينيات، وهذه المرة بسبب نهضة الحواسيب الشخصية، وعودة الشك حول إمكانيات الذكاء الاصطناعي إلى أوساط التمويل الحكومي، وامتد هذا الهبوط البارد الثاني حتى منتصف التسعينيات، ثم بدأ الباحثون بعد ذلك يشقُّون طريقهم عائدين نحو الأعلى ببطء وثبات.

وقد شهد العقدان الأخيران موجة غير مسبوقة من التفاؤل حول الذكاء الاصطناعي، وبفضل العتاد الصلب -وتحديداً المعالجات القوية، وتقنيات أخرى جديدة، خصوصاً تلك التي تندرج ضمن إطار التعلم العميق- توصلنا إلى ذكاء اصطناعي يدهش المستخدمين والممولين على حد سواء؛ حيث يمكن للشبكة العصبونية أن تتعلم أداء المهام بعد تدريبها بعناية على الأمثلة الموجودة، ومن هذه الأمثلة التقليدية أن بإمكانك تلقيم الشبكة العصبونية بآلاف الصور التي وضع على بعضها إشارة “قط” وعلى البعض الآخر إشارة “لا يوجد قط”، وذلك لتدريب الآلة على تمييز وجود القطط أو عدم وجودها في صور جديدة. كما أن استراتيجيات التعلم العميق ذات الصلة أدَّت إلى ظهور تقنيات جديدة في المعلوماتية الحيوية والأدوية، ومعالجة اللغة الطبيعية في أليكسا أو أدوات جوجل هوم، وحتى الأعين الميكانيكية التي تستخدمها السيارات ذاتية القيادة.

هل سيأتي الشتاء ثانية؟

غير أن السيارات ذاتية القيادة هذه هي التي تؤرق العلماء حول احتمال مجيء شتاء آخر؛ ففي 2015 قال إيلون ماسك (مؤسس تسلا) إن السيارات ذات الأتمتة الكاملة ستصل إلى الطرقات في 2018 (ما زال أمامه من الناحية التقنية بضعة أشهر حتى يحقق وعده هذا)، وتراهن جنرال موتورز على حدوث هذا في 2019، أما فورد فقد فضَّلت أن تستعد للعام 2021، ولكن هذه التوقعات تبتعد عن الواقع بشكل متزايد، وقد تؤدي -نظراً لإطلاقها بشكل عام- إلى عواقب وخيمة على هذا المجال.

وإذا أضفنا الضجة التي أثارها مقتل أحد المارة في أريزونا عندما صدمته سيارة من أوبر في نمط العمل المؤتمت، فسنجد أن الأمور بدأت تأخذ منحى لا يُبشر بخير بالنسبة للذكاء الاصطناعي التطبيقي.

وليست المخاوف من إطباق هذا الشتاء مجردَ أوهام سطحية، بل إن التعلم العميق -وفقاً لبعض النقاد مثل فيليب بيكنيوسكي- قد تباطأ في السنوات الأخيرة، صحيحٌ أن “مشكلة اختفاء التدرج” قد خفَّت (وهي مشكلة تناقص فرق تابع الخطأ بين المراحل التدريبية للشبكة بحيث تتوقف عن التعلم)، لكنها ما تزال تعيق بعض الشبكات العصبونية عن متابعة التعلُّم بعد حدٍّ معين، وذلك على الرغم من كل الجهود التي يبذلها المدرِّبون البشر، كما أن صراع الذكاء الاصطناعي مع مشكلة “التعميم” ما زال مستمراً؛ حيث إن الآلة المدرَّبة على صور القطط المنزلية تستطيع أن تتعرف على المزيد من القطط المنزلية، ولكنها لا تستطيع أن تستخدم هذه المعلومات للتعرف على الأسود الشرسة مثلاً.

وتمثل هذه الإخفاقات مشكلة أساسية للسيارات ذاتية القيادة؛ يقول آندرو مور (عميد علوم الحاسوب في جامعة كارنيجي ميلون)، في حلقة حديثة من برنامج التسجيلات الصوتية على الإنترنت “Recode Decode“: “إن كنا نرغب في إطلاق القيادة الذاتية في العشرينيات من هذا القرن، فعلينا أن نشهد سنوياً -وبدءاً من هذه اللحظة- انخفاضاً في التدخلات البشرية في القيادة بدواعي السلامة بنسبة أكثر من 60% حتى الوصول إلى نسبة سلامة 99.9999%، ولكنني أعتقد أن الأمور تتطور بسرعة أقل من هذه بكثير”؛ فقد تنخفض نسبة تدخل البشر بحوالي 20% في بعض السنوات، ولكن هذا الانخفاض قد لا يتجاوز مرتبةً عشريةً واحدة في سنوات أخرى؛ مما يزيد وقت انتظارنا لإطلاق هذه السيارات إلى عقود كاملة.

فمن الصعب إذن التنبؤ بشتاء الذكاء الاصطناعي، تمامًا كالتقلبات الموسمية الفعلية، وبالإضافة إلى هذا فإن شدة الأحداث المؤثرة عليه تتفاوت بشكل كبير؛ صحيح أن الحماس ضروري للتقنيات الناشئة حتى تشق طريقها، ولكن الوسيلة الوحيدة لمنع الإخفاقات الكبيرة هي استخدام العلم بشكل محسوب، والكثير من العمل الجاد. وكما يقول يان ليكون (المدير السابق للذكاء الاصطناعي في فيسبوك) لمجلة IEEE Spectrum: “مرَّ الذكاء الاصطناعي بالكثير من الشتاءات الكئيبة؛ لأن الناس ادَّعوا أشياء لم يتمكنوا من تحقيقها”.

error: Content is protected !!