Image

تشير دراسة جديدة إلى أن أخذ مجموعة من المضادات الحيوية يمكن أن يكون بديلاً فعالاً.

Bread assortment لا تزال الجراحة هي الخيار الأفضل بالنسبة للبعض.
حقوق الصورة: بيكساباي

يتعرَّض شخص واحد من بين كل 20 شخصاً أميركياً للإِصابة بالتهاب الزائدة الدودية في مرحلة ما من حياته، مما يؤدي إلى إجراء 300 ألف عملية استئصال للزائدة الدودية كل عام، وينتهي أمر الغالبية العظمى من هؤلاء الأشخاص بإجراء الجراحة واستئصال الزائدة ومغادرة المستشفى بعد يوم أو يومين أو بعد الشفاء، ومن ثم الاستمرار في حياتهم. ولكن ماذا لو كان بإمكانك إصلاح مشاكل الزائدة الدودية بدون الجراحة؟ إذ توصَّلت دراسة نُشرت مؤخراً في مجلة “جاما JAMA” إلى أن المضادات الحيوية يمكن أن تكون بديلاً فعالاً وعملياً لمعظم عمليات استئصال الزائدة الدودية، مما يرفع الآمال بالنسبة لأولئك الذين يفضِّلون العلاج غير الجراحي لهذا المرض الشائع جداً.

ويُذكر أن غالبية حالات الالتهاب الحادِّ للزائدة الدودية لا يرافقها اختلاطات لمشاكل أكبر، مثل تمزق الأعضاء أو ظهور علامات على وجود ورم، تقول بولينا سالمينن (وهي طبيبة جرَّاحة في جامعة توركو في فنلندا، والمؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة): “يمكن تقييم هؤلاء المرضى من خلال العلاج بالمضادات الحيوية، لكن الأمر يستغرق بعض الوقت لإحداث تغيير كبير في عقلية المرضى والأطباء والجرَّاحين. ومع ذلك فقد بدأ هذا الأمر يُظهر نتائج واعدة بالفعل، ويمكن أن يكون له تأثير كبير على الممارسات الجراحية الحالية”.

وهناك سبب وجيه لكون عملية استئصال الزائدة الدودية هي العلاج الأمثل لالتهابها الحادِّ لأكثر من قرن من الزمن، حيث تقول جانيس تايلور (الطبيبة المتخصصة في جراحة الأطفال في جامعة فلوريدا للصحة) عن هذا العضو المُسبب للمشاكل: “أنت لا تحتاجها، وإذا تمت إزالتها فلن يؤذيك ذلك في شيء. إنها عملية تقليدية ومنخفضة الخطورة، وهناك الملايين من الذين لا تتواجد لديهم الزائدة الدودية، وهم لا يعانون من أي مشاكل”.

إلا أن أي عملية جراحية -حتى ولو كانت عملية تقليدية كاستئصال الزائدة الدودية- تنطوي على بعض المخاطر، وخاصة بالنسبة للمرضى الذين تكون حالتهم الصحية سيئة، أو المعرَّضين للإصابة بالمضاعفات، كما أن التخدير يُحدث أحياناً مشاكل غير متوقعة، وهناك أيضاً الصعوبات المتعلقة بالعملية الجراحية، مثل التأثيرات المالية وأخذ إجازة من العمل.

كما أن تايلور تقول إننا بدأنا نصبح أكثر حذراً، فعلى الرغم من أننا لا نعرف حقاً الهدف من وجود الزائدة الدودية -وأن العيش بدونها لا يسبب أي آثار ضارة واضحة- إلا أن من الممكن أن يقوم هذا العضو ببعض الوظائف المناعية أو الفسيولوجية، وإذا كنا قد تعلَّمنا شيئاً من دراستنا لميكروبات الأمعاء، فهو أن التغيُّرات البسيطة في الصحة قد يكون لها عواقب أكبر لم نكتشفها بعد.

تقول تايلور: “نحن جرّاحون، ونحب إجراء العمليات، ولكننا لا نقترح إجراء العملية الجراحية ما لم نكن في حاجة إليها حقاً”، وعندما يتعلق الأمر بالزائدة الدودية، فالحال ليس كذلك دائماً على ما يبدو.

ويقول إف ثورستون دريك (الطبيب الجرَّاح في مركز بوسطن الطبي) إن العلاج بالمضادات الحيوية للمرض “أتى من معرفتنا بأن الغوَّاصين عالجوا التهاب الزائدة الدودية بالمضادات الحيوية بنجاح، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من إظهار الغواصات إلى السطح خلال الحرب الباردة. وإن معرفة نجاح ذلك الأمر أدَّت إلى ظهوره مرة أخرى في الأعوام الخمسة عشر أو العشرين الأخيرة، مما دفع الباحثين إلى دراسة مدى إمكانية أن تكون المضادات الحيوية علاجاً عملياً، بدلاً من كونها مجرد طريقة للتأجيل حتى يمكن استئصال الزائدة الدودية”.

وقد اشتملت الدراسة التي نشرت في مجلة جاما على المراقبة -لمدة خمس سنوات- لـ 530 رجلاً وامرأة تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاماً، ممَّن تم اختيارهم بصورة عشوائية لإجراء عملية استئصال الزائدة الدودية أو العلاج بالمضادات الحيوية، وذلك بناءً على تشخيص إصابتهم بالالتهاب الحاد للزائدة الدودية غير المترافق مع اختلاطات بعد إجراء التصوير المقطعي، وتضمَّن العلاج بالمضادات الحيوية إعطاء جرعة وريدية من دواء إيرتابينيم (يُستخدم عادة لعلاج العدوى البكتيرية الشديدة) لمدة ثلاثة أيام، تلاها سبعة أيام من تناول المضادات الحيوية عن طريق الفم، وكانت كل عمليات استئصال الزائدة الدودية عبارة عن عمليات جراحية مفتوحة بالطريقة التقليدية.

وحوالي 61% من المرضى الذين عولجوا بالمضادات الحيوية لم يكونوا في حاجة إلى إجراء الجراحة خلال تلك السنوات الخمس من المراقبة، وعلى الرغم من أن حوالي 39% عانوا من الانتكاس ولزمهم إجراء الجراحة في وقت لاحق، إلا أن هذا التأخير لم يؤدِّ إلى أي مضاعفات شديدة أو متزايدة.

وللتوضيح: تعدُّ هذه الأرقام جيدة، ولكنها ليست رائعة. كما يمكن لحجم عينة الدراسة أن يكون أكبر بالتأكيد، وإذا افترضت أن نتائج الواقع الحقيقي ستماثل هذه الأرقام، فعندئذ سيضطر 4 من كل 10 أشخاص عولجوا بالمضادات الحيوية إلى العودة لإجراء العملية الجراحية خلال خمس سنوات، وسوف يعود 27.3% من هؤلاء المرضى خلال عام واحد.

ومن ناحية أخرى، فقد عانى 1 من كل 4 مرضى ممن خضعوا للعملية للجراحية من مضاعفات ما بعد الجراحة، مثل ألم البطن أو العدوى حول أنسجة الشقِّ الجراحي، كما كانت تكاليف العلاج لمرضى الجراحة أعلى بنحو 60% بالمقارنة مع مرضى المضادات الحيوية.

وإذا كنت مُسِناً أو مريضاً بشدة أو لديك مخاوف أخرى، فقد تكون هذه الأرقام مقنعة بما يكفي بالنسبة لك لتجرِّب المضادات الحيوية، أما بالنسبة للآخرين فقد لا تزال الجراحة هي الحل. وتعتمد الأمور على نوع المخاطر التي يرغب الشخص في اتخاذها، سواءً كان ذلك خطر الإصابة بالتهاب الزائدة مرة أخرى بعد بضعة أشهر أو سنوات، أو خطر حدوث مضاعفات فورية من العملية الجراحية.

كما تشير تايلور إلى أن معالجة المرضى خلال الدراسة لثلاثة أيام -بالمضادات الحيوية عن طريق الوريد تليها سبعة أيام بالمضادات الحيوية عن طريق الفم- تبدو عشوائية نسبياً، وتقول: “إنها واحدة من تلك الخيارات التي تبدو معقولة بالتأكيد!”؛ لذا فقد تختلف النتائج بشدَّة وبشكل متباين إذا قام الأطباء بتعديل طريقة أخذ الدواء.

وطالما أن الزائدة الدودية ما تزال موجودة في الجسم، فإن خطر عودة التهاب الزائدة الدودية مرة أخرى يبقى قائماً كذلك، ولذلك تعتقد تايلور أن البعض قد يختار إزالة العضو بالكامل بدلاً من التعامل مع القلق الدائم بحدوث شيء سيئ مرة أخرى، حيث تقول: “في كل مرة تعاني فيها من ألم في الربع السفلي الأيمن من البطن، فسوف تتساءل: هل هذه هي الزائدة الدودية؟ أم هي مجرد عضلة مشدودة؟ هل تناولتُ طعاماً سيئاً في وجبة الغداء؟ إذن فمن أين يأتي هذا؟ ومن ثم فقد يضطر ذلك الشخص إلى الذهاب إلى غرفة الطوارئ أو الرعاية العاجلة في كل مرة للتصوير وإجراءات فحوصات الدم التي قد لا يحتاج إليها”.

كما أن هناك قلقاً آخر أثاره دريك، وهو أن مقدِّمي الرعاية الصحية قد يعالجون المرضى بالمضادات الحيوية في الحالات التي يكون فيها تشخيص التهاب الزائدة الدودية أقل وضوحاً، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل المرتبطة بالاستخدام غير المناسب للمضادات الحيوية، مثل ظهور البكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية.

ولكن لا ينبغي لأي من هذه المشاكل أن ينتقص من مدى التشجيع المتمثل في رؤية العلاج بالمضادات الحيوية بديلاً للأشخاص غير المتحمِّسين لفقدان جزء من الجسم، ولأولئك الذين يريدون المزيد من الطرق بشأن قرارات الرعاية الصحية، ويقول دريك: “خلاصة القول في رأيي هي أن كلا العلاجين فعَّال، لكننا لم نحدِّد بعد العلاجَ الأمثل لكل نوع من المرضى، وبوصفنا جرَّاحين فإننا نتَّجه أكثر نحو صنع القرار الذي يركِّز على المريض، وخاصة عندما يكون لدينا خياران أو أكثر من الخيارات الجيدة. وفي النهاية سنقدم أفضل رعاية عندما نتمكن من تحديد إيجابيات وسلبيات كل علاج، بحيث يكون مخصَّصاً لكل مريض، ثم نتخذ قراراً مشتركاً حول أسلوب العلاج الأفضل له”.

وتأمل سالمينن وفريقها (الذي يقومون حالياً بإجراء دراستين مرتبطتين بهذا الأمر) أن يتم البحث أكثر في كيفية تحسين طريقة العلاج هذه بما يتناسب مع المرضى وتفضيلاتهم.

وتقول تايلور: “إنها تعود في الأساس إلى توقعات المريض، ومعرفة ما يُقحم نفسه فيه، فالمضادات الحيوية تعدُّ خياراً مناسباً وعملياً تماماً للمريض المناسب”.

error: Content is protected !!