Image

كيف تمكَّنت دراسة الدجاج من الكشف عن آلية العمل الداخلية لجهاز المناعة؟

Bread assortment نعم، لقد ساعد الدجاج في حل أحد الألغاز الطبية.
حقوق الصورة: بيكسلز

كان الأطفال يموتون، ولم يستطع طبيب الأطفال ماكس كوبر أن يفهم السبب؛ إذ كان لديهم الكثير من الخلايا البلازمية التي كان يعرف كوبر أنها تنتج الأجسام المضادة، ولكن مرضاه الذين كانوا يعانون من مرض وراثي نادر يسمى “متلازمة فيسكوت ألدريتش” كانوا يفشلون في مواجهة عدوى الهربس البسيطة، وبحلول أوائل الستينيات تم اختراع الليزر وألعاب الفيديو، ولكننا كنا لا نزال نفتقر إلى جزء أساسي من فهم كيفية تعرُّف أجسامنا على العوامل الأجنبية الغازية، ومن ثم مهاجمتها وتذكُّرها.

ولم يكن كوبر يعرف في ذلك الوقت بأن مفتاح حل اللغز كان قد نُشر بالفعل قبل سنوات في مجلة بولتري سيانس (Poultry Science)؛ حيث يقول جريج سيلفرمان (أخصائي علم الأمراض في مركز لانغون الصحي بجامعة نيويورك): “هذه المجلة غيَّرت العالم”، وقد فاز البحث الآن -بعد مرور أكثر من ستين عاماً- بجائزة الإوزة الذهبية لمساهمته غير المتوقعة في الطب الحديث.

ولم يكن المؤلف بروس غليك يخطط أبداً لدخول مجال علم المناعة، ولكن بصفة أنه كان طالباً في الدراسات العليا في علوم الدواجن -بجامعة ولاية أوهايو في منتصف الخمسينيات- فقد كان يحب الدجاج حقاً، أو -بشكل أكثر تحديداً- كان مهتماً بعضو غريب في مؤخراتها يُعرف باسم جراب فابريشيوس؛ الذي قام عالم التشريح الإيطالي بوصفه لأول مرة في القرن الخامس عشر. ولأن غليك كان يعتقد أن من الممكن لهذا العضو أن يؤثر على النمو، فقد استأصله جراحياً من عشرات الدجاجات، ومع ذلك لم يتمكَّن من اكتشاف أي تغيرات أثناء نموها، وظلت وظيفة الجراب لغزاً.

ربما انتهت قصة غليك هناك، فلم تكن الدجاجات ذات قيمة تُذكر في جامعة ولاية أوهايو، ولكن بعد فترة وجيزة من تجربته قام تيموثي تشانغ -زميل غليك- باستعارة بعض الدجاجات لعرضها في مقرَّر علم المناعة؛ إذ كان ينوي أن يوضِّح عليها لطلابه كيف أن حقنها باللقاحات من شأنه أن يُنتج بروتينات دفاعية تعرف باسم الأجسام المضادة، ولكن الدجاج أحرج تشانغ بعد بضعة أسابيع عندما أظهرت معظم اختبارات الدم نتائج سلبية، دون وجود مناعة.

يقول كوبر: “لقد عاد وقال لقد أفسدت عرضي، فدجاجتك لم تقم بإنتاج الأجسام المضادة”.

وأدرك غليك -مع مراجعته لملاحظاته- أن الدجاجات القليلة التي كان لديها مناعة هي التي صدف أن كان الجراب لديها سليماً، وخمَّن على الفور أن هذا العضو لا بد من أنه هو الذي يصنع الأجسام المضادة عند صغار الدجاج؛ يقول كوبر: “أدرك غليك الأمر واستخلص النتائج، ثم عادوا وكرروا التجربة، ووجدوا أن الأمر مرتبط تماماً باستئصال الجراب”.

وكانت الرسالة واضحة: لا وجود للأجسام المضادة دون وجود الجراب؛ فأخذ غليك اكتشافه مباشرة إلى مجلة ساينس، لكن المحرِّرين رفضوها لفشلها في شرح الآلية الكامنة وراء هذه الظاهرة، ثم نشر غليك الاكتشاف في مجلة بولتري ساينس عام 1956؛ بعد أن بدأ يعفو عليه الزمن.

وكان الحظ حليف كوبر للمرة الثانية عبر وصول بعض المعلومات إليه؛ فقد كان محتاراً بسبب عدم قدرة الأطفال المصابين بمتلازمة فيسكوت ألدريتش على التعامل مع ما يُفترض أنه عدوى فيروسية بسيطة، وهي ملاحظة غير متوافقة مع الصورة الناشئة لجهاز المناعة؛ فقد كان كوبر يدرك أن إحدى خلايا الدم البيضاء -والمعروفة باسم الخلايا الليمفاوية- أنتجت الخلايا البلازمية، والتي تقوم بدورها في بناء الأجسام المضادة التي تكافح الفيروسات، أما مرضى متلازمة فيسكوت ألدريتش فقد كان لديهم الكثير من الخلايا البلازمية، ولكن جهازهم المناعي فشل -بطريقةٍ ما- في تصنيع المنتج النهائي.

يقول كوبر: “لقد كان الأمر محيراً؛ إذ لم يتوافق بشكل جيد مع سلالة واحدة، وعندئذٍ عدنا إلى تجارب الدجاج”.

وإن الجزء المفقود -الذي كان موجوداً في مجلة بولتري ساينس دون أن يلاحظه أحد- قد وصل إلى كوبر عندما لاحظ بعض الباحثين في مجال الهرمونات في جامعة ويسكونسن دراسةَ الدجاجة، فنقلوها إلى الاستشاري الذي يُشرف على كوبر وهو روبرت جود (الأخصائي في علم المناعة والذي قام أخيراً بإجراء أول عملية ناجحة لزرع نقي العظام)؛ فقد كان يكافح لتأكيد أحد الاكتشافات في عام 1961، وهو أن الخلايا الليمفاوية تأتي من غدة التوتة عن طريق استئصال هذا العضو عند الأرانب، ولكنه لم يلاحظ تغييرات كبيرة، فاقترحت تجربة الدجاج التي أجراها غليك حلاً مزدوجاً لهذه المفارقة؛ وهو استئصال الأعضاء في مرحلة مبكرة عندما تكون أجهزة المناعة لدى الحيوانات لا تزال في طور النمو، والنظر في إمكانية اعتماد جهاز المناعة على عضوين وليس عضواً واحداً (بما أن الدجاج يمتلك كلاً من التوتة والجراب).

وقد قام كوبر -لرغبته في اختبار النظرية- باستئصال غدد التوتة من بعض الدجاجات، واستأصل الجراب من دجاجات أخرى، ثم قضى على كافة الخلايا المناعية المتبقية بالإشعاع، وبمجرد أن تعافت أمكن تصنيفها في مجموعتين منظمتين، وكانت النتيجة أن الدجاجات الخالية من الجراب لم تشكِّل أي أجسام مضادة كما وجد غليك، في حين أن الدجاجات الخالية من غدة التوتة أمكنها أن تُنتج بعضاً منها، ولكن بمستويات منخفضة؛ وبالتالي أظهرت تجربة كوبر بأن كلاً من الجراب وغدة التوتة يؤثران على الأجسام المضادة، ولكن بطرق مختلفة، واقترح أن كل عضو ينتج نوعاً مختلفاً من خلايا الدم البيضاء، والتي من شأنها أن تعمل معاً لمكافحة العدوى.

وقد كان محقاً؛ حيث برزت نظرية عالمية لجهاز المناعة خلال العقد التالي، إذ يفتقر البشر إلى الجراب، ولكنهم -كما هو الحال عند جميع الفقاريات- يمتلكون نوعي الخلايا التي يمتلكهما الدجاج، واللذان يُعرفان الآن باسم الخلايا التائية (نسبةً لغدة التوتة) والخلايا البائية (نسبةً للجراب، وليس لنقي العظم كما يفترض الكثيرون). وفي أثناء المواجهة ضد المواد التي تغزو الجسم، فإن الخلايا البائية تكون كالجنود المشاة؛ فهي تصنع الأجسام المضادة التي تهاجم الفيروسات الواردة وتتذكَّرها من أجل المعارك المستقبلية، في حين تعمل الخلايا التائية مثل القادة الضباط؛ فهي توجِّه نشاط الخلايا البائية وتنفِّذ عمليات القتل الرحيم للخلايا المصابة، إذن فإن كلا نوعي الخلايا يعتمد على الآخر، تماماً مثل باتمان وألفريد (الشخصيات الكرتونية الشهيرة)، وأي تفسير استند إلى أحدهما فقط كان يُحكَم عليه بالفشل دائماً. وقد أعطت هذه النظرية الجديدة علماء المناعة طريقة جديدة تماماً للتفكير في الأمراض المناعية مثل متلازمة فيسكوت ألدريتش؛ حيث يؤدي أحد البروتينات الطافرة إلى إنتاج خلايا تائية غير فعَّالة، مما يؤدي إلى تفكيك فريق الخلايا الليمفاوية.

وإن فهم التكافل بين الخلايا البائية والتائية اليوم قد سمح للباحثين ببدء اكتشاف جهاز المناعة، تماماً كما سمح فهمُ الإلكترونات للفيزيائيين باكتشاف الكهرباء، وبالإضافة إلى تطوير أنواع جديدة من اللقاحات والعلاجات لاضطرابات المناعة الذاتية، فقد مهَّدت نظرية المناعة الطريقَ أمام العلاجات المناعية أيضاً، وهي طريقة جديدة وواعدة لعلاج السرطان. وعلى الرغم من أن متلازمة فيسكوت ألدريتش لا تزال خطيرة، إلا أن العلاجات الجينية الجديدة قد زادت من متوسط العمر المتوقع بخمسة أضعاف، كما أدى زرع نقي العظام إلى شفاء بعض الأطفال بالكامل.

ورغم كل ذلك فإن اكتشاف غليك المحظوظ -والذي وصفه ستيفن ستيرنبرغ (أخصائي علم الأمراض) في يوم من الأيام بأنه “يستحق جائزة نوبل”- قد تم تجاهله في الغالب، وفي حين أن جائزة الإوزة الذهبية -والتي تحتفي باللحظات المؤثرة وغير المتوقعة للأبحاث الأساسية- لا تترافق مع جائزة نقدية بقيمة 2 مليون دولار، إلا أنها ألقت الضوء على مساهمات غليك -وغيره- خلال احتفال أُجريَ مؤخراً، ويتفق باحثو علم المناعة على أن هذا التقدير قد طال انتظاره.

ويقول سيلفرمان (من مركز لانغون بجامعة نيويورك): “لقد حدثت ثورة في كل شيء من خلال ملاحظته البسيطة؛ فقد غيَّر ذلك من فهمنا للبيولوجيا”.

error: Content is protected !!