Image

ما مقدار الراحة الكافية لطفلك؟ إليك ما تحتاج إلى معرفته.

Bread assortment عادةً ما نربط بين ارتجاجات الدماغ وكرة القدم، لكن الأطفال يمكن أن يصابوا بأضرار دماغية خفيفة من الرياضات الأخرى أيضاً.
حقوق الصورة: بيكسلز

تعدُّ أدمغة الأطفال ثمينةً للعديد من الأسباب، ولكن لم يكن هناك -حتى وقت قريب- الكثير من الإرشادات حول كيفية العلاج الأفضل لليافعين المصابين بارتجاجات الدماغ.

وقد أصدرت مراكز السيطرة على الأمراض للمرة الأولى مؤخراً إرشادات محدَّدة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، والذين يعالجون اليافعين المصابين بأضرار خفيفة في الدماغ (والتي يُعبَّر عنها بالمصطلح الطبي: ارتجاج الدماغ)، وتأتي التوصيات نتيجةً لمراجعة شاملة للأبحاث الحالية -والتي لم تكن جوهرية دائماً- من قِبل لجنة من الخبراء؛ لتحديد ما تخلُص إليه الأدلة على أنه هو أفضل الممارسات.

ولم يُتح لنا -إلا مؤخراً- وجود أبحاث كافية للقيام بذلك؛ إذ بقينا فترة طويلة لا نعرف الكثير عن إصابات الدماغ الرضِّيَّة بشكل عام، وما زلنا لا نعرف نوعاً ما، لكن يبدو من المؤكد ارتباطُ اعتلال الدماغ الرضِّي المزمن بالارتجاج المتكرر، ولكننا لا نعرف كم يجب أن يكون عدد هذه الارتجاجات أو مدى شدتها لإحداث الضرر طويل الأمد، ويبدو أيضاً أن الأشخاص الذين يمارسون الرياضات المعرَّضة لإصابات الرأس -مثل كرة القدم- يُظهرون تغيُّرات في المادة البيضاء في الدماغ، وزيادة في خطر الإصابة بالأمراض التنكُّسية مثل باركنسون وألزهايمر، ويبدو أنهم يعانون من مشاكل في المِزاج والاكتئاب، بالإضافة إلى ضعف التعلم، بمعدل أعلى من متوسط السكان.

لكننا ما زلنا نجهل تحديداً أي أنواع رضوض الدماغ هي التي تُسهم في هذه التغيُّرات، ويعود جزء من هذه المشكلة إلى أن الأطباء ليسوا قادرين على فحص صور الدماغ ببساطة، ومن ثم إخبارك بما هو خاطئ؛ يقول مات جامونز (الرئيس السابق للجمعية الطبية الأميركية للطب الرياضي) في حديثه إلى بوبيولار ساينس: “نحن بعيدون كل البعد عن أن نكون قادرين على فحص الصور الشعاعية التي تُظهر تغيُّرات مستمرة دون ظهور أي أعراض، ودون أن نستطيع تفسير سبب هذا الأمر”، وحتى عندما نتمكن من العثور على رضوض محدَّدة في الصور، فمن غير الواضح للباحثين -مثل جامونز- أن يروا ما إذا كانت هذه التغيُّرات الدماغية دائمة أو كبيرة.

وينعكس هذا الأمر من خلال الكثير من الإرشادات الجديدة التي نشرتها مراكز السيطرة على الأمراض في بداية شهر سبتمبر؛ إذ توصي بعدم إجراء التصوير المقطعي المحوسب أو التصوير بالرنين المغناطيسي، وكذلك عدم التصوير بالأشعة السينية أو التصوير الطبي بأشعة غاما بهدف تشخيص إصابات الدماغ الرضيّة الخفيفة، وقد نبَّهت الإرشادات -بدلاً من ذلك كله- على مجموعة متنوعة من العوامل الأخرى ذات الصلة، والتي يمكن للأطباء استخدامها في الكشف عن الأطفال المعرَّضين لارتفاع خطر الإصابة بهذا النوع من الأضرار، وبالتالي يجب عليهم إجراء المزيد من الاختبارات.

وتؤكد التوصيات أيضاً أن الواجب على الأطباء استخدام مزيج متنوع من الأدوات والمقاييس والاختبارات المعرفية في مساعدة المرضى اليافعين على التعافي من إصاباتهم، ويقول أنثوني كونتوس (مدير الأبحاث في برنامج UPMC لارتجاج الدماغ في الطب الرياضي) في حديثه إلى بوبيولار ساينس: “يفترض معظم الناس أن العلاج الوحيد للارتجاج هو الراحة التي يتم وصفها”، وفي الواقع فإن إعادة التأهيل مع نشاط أكثر -مثل تمارين الذهن والقلب والأوعية الدموية التي تزداد ببطء مع مرور الوقت- يمكن أن تكون أكثر فائدة من غياب النشاط التام. لكن ذلك يختلف بشكل كبير أيضاً من حالة إلى أخرى؛ فقد يحتاج بعض الأطفال إلى المزيد من الوقت للتعافي قبل العودة إلى حياتهم الطبيعية، ولا بد أن يعالج الأطباء كلَّ مريض مصاب بالارتجاج بشكل منفصل ومستقل.

وقد يكون الأهم من ذلك كله أن يتعافى الأطفال بشكل صحيح؛ فعلى الرغم من أنه ليس ضرورياً أن تكون الراحة التامة هي الخطوة الصحيحة، إلا أن اليافعين يحتاجون إلى وقت كافٍ للعودة ببطء إلى مستوى نشاطهم الطبيعي، وإن محاولة القيام بالكثير من النشاط في وقت مبكر جداً قد تأتي بنتائج عكسية، وتشير الأبحاث إلى أن الرياضيين الذين يستمرون في ممارسة رياضتهم بعد الإصابة بالارتجاج يضاعفون وقت التعافي، ويعانون من أعراض أسوأ، ويميلون إلى الإصابة بالمزيد من الاعتلالات على المدى البعيد. كما أن الإصابات المتكررة قد تكون مؤذية جداً، بل حتى مميتة؛ إذ يمكن لمتلازمة الأثر الثاني أن تؤدي إلى موت الشخص أو تسبِّب له الإعاقة الشديدة على الأقل.

ولهذا السبب تؤكد توصيات مراكز السيطرة على الأمراض مدى أهمية أن يتَّخذ الأطفال المصابون بإصابات الدماغ الحذر، وأن يُصغوا إلى أطبائهم. ويمكن لمعظم الأطفال -بعد بضعة أيام من الراحة (ثلاثة أيام تقريباً كما يحددها الأطباء)- أن يبدؤوا في العودة إلى بعض النشاط المعتدل، لكن العملية يجب أن تكون تعاونية وقائمة على ما يمكن للطفل أن يتعامل معه، كما تشير الإرشادات إلى أن الدعم العاطفي والاجتماعي ضروري أيضاً لعملية التعافي، وكذلك النوم السليم.

ومن المهم أيضاً أن نتذكر أنه في حين كانت هذه هي أفضل الممارسات في الوقت الحالي، إلا أنها قد لا تكون كذلك في المستقبل القريب؛ إذ لا يزال الباحثون يتعلَّمون الكثير عن إصابات الدماغ، فقد بدأنا نفهم في العام الماضي سبب كون النساء أكثر تضرُّراً بالتأثيرات على الرأس، كما أدركنا مؤخراً أن بعض صعوبات التعلُّم -مثل اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط وعسر القراءة- يمكنها أن تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بالارتجاجات، ويعدُّ ذلك كله جزءاً من الصورة المستمرة في التوسُّع والتعقيد بشكل متزايد لكيفية تحوُّل رضوض الرأس إلى تلفٍ في الدماغ، وليست هذه التوصيات سوى البداية فقط.

error: Content is protected !!