Image

هذه أهم المحطات في رحلتها.

Bread assortment تخيُّل فني لمركبة دون بين سيريس وفيستا.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا

بدأ وقود بعثة “دون Dawn” التابعة لناسا ينفد، مؤذِناً بنهاية 11 عاماً من النجاح في الفضاء، وتعد دون مركبة مميزة في سجل مركبات ناسا الفضائية، وعلى الرغم من أنها ليست بنفس شهرة العربة الجوالة المريخية كيوريوسيتي أو المركبة الفضائية نيو هورايزنز -والتي تجاوزت بلوتو في مسارها- إلا أن البعض يقول إن دون تعد أول بعثة حقيقية لاكتشاف ما بين الكواكب؛ وذلك لأنها دارت حول جسمين كوكبيَّين في أثناء رحلتها، وهما الكويكب فيستا والكوكب القزم سيريس، كما أنها تتميز بأشياء أخرى أيضاً، فمثلاً ليس اسم دون (ويعني: الفجر) اختصاراً لجملةٍ ما مثل معظم بعثات ناسا الأخرى، بل هو تعبير عن هدف البعثة؛ وهو دراسة فجر النظام الشمسي.

ولهذا دارت المركبة حول فيستا وسيريس، وهما جسمان مختلفان للغاية، ولكنهما قد يحملان إجابات حول بعض الأسئلة حول بدايات النظام الشمسي؛ حيث يعتبر فيستا ثاني أكبر جسم في حزام الكويكبات الرئيسي، ويُعتقد بأن أغلبية النيازك التي اكتُشفت على الأرض أتت من فيستا، كما أن سيريس يتميز بأنه أكبر جسم في حزام الكويكبات، إلى درجة تكفي لتصنيفه كوكباً قزماً، ويُعتقد أنه تشكَّل بعد النظام الشمسي بفترة طويلة، وأمضى ملايين السنين يتحرك نحو الداخل، منتقلاً من المنطقة الخارجية من النظام الشمسي إلى المنطقة الداخلية.

وهذه الأجسام ومثيلاتها لم تتعرض إلى أي تغيير بفعل عوامل الطقس أو التأثيرات الجيولوجية مثل العواصف والبراكين التي تؤثر في الأرض، ويمكن أن نعتبر أن فيستا وسيريس عبارة عن عيِّنتين محفوظتين عبر الزمن منذ بدايات النظام الشمسي، وبالتالي فإن دراستهما قد تقدِّم لنا الكثير من المعلومات حول المواد التي كانت موجودة في هذه المناطق منذ مليارات السنين، إضافة إلى العمليات التي أدَّت في النهاية إلى ولادة النظام الشمسي الذي نعرفه اليوم؛ تقول د. كارول ريموند (المفتشة الأساسية لبعثة دون) إن فيستا وسيريس “يمثلان فصلين مختلفين من تاريخ النظام الشمسي؛ حيث يعتبر فيستا مثالاً جيداً عن المنطقة الداخلية من النظام الشمسي بجسمه الصخري الجاف، في حين أن سيريس قد تشكَّل بنسبة أكبر من الماء”.

وقد أُنجزت هذه المهمة بميزانية إجمالية متواضعة لا تتجاوز 500 مليون دولار، ولكنها أعطت من النتائج ما يفوق التوقعات، وما زال كل جزء من المركبة الفضائية يعمل بشكل ممتاز، ولكن وقود الهايدرازين -المستخدم في المحافظة على توجيه المركبة الفضائية نحو الأرض- انخفض إلى نسبة خطرة، وإذا لم تعد دون قادرة على توجيه هوائها نحونا فلن يتمكن مهندسو ناسا من التواصل معها، مما سيجعل أية ملاحظات جديدة للمركبة عديمة الفائدة.

وتعتقد ناسا أن عمل البعثة سينتهي ما بين منتصف سبتمبر ومنتصف أكتوبر، وستتحدَّد النهاية عندما تعجز ناسا عن التواصل مع المركبة، وحينئذ ستبقى في مدارها حول سيريس لمدة عشرين سنة وربما أكثر، ولكنها ستصطدم به في نهاية المطاف؛ ونظراً لأن المعلومات بيَّنت وجود الكثير من المياه والجليد على سيريس، إضافة إلى احتمال محافظته على نشاطه الجيولوجي، فقد طلبت إدارة الحماية الكوكبية ألا تصطدم المركبة الفضائية بسطح الكوكب مخافة تلويثه والتأثير على الأبحاث اللاحقة، وقواعد إدارة الحماية الكوكبية تقول بوجوب أن تبقى المركبة الفضائية بعيدة عن جسم الكوكب على الأقل 20 سنة؛ وذلك حتى يتسنى لناسا إطلاق بعثة جديدة، وبالتالي فهناك احتمال أن نعود إلى سيريس بمركبة فضائية مزوَّدة بتجهيزات بيولوجية فضائية، لدراسة وجود الحياة هناك، حالياً أو فيما مضى.

وعلى الرغم من أن نهاية كل بعثة تمثل حدثاً بهيجاً وحزيناً في نفس الوقت، فإن فريق دون مدركون لطبيعة العمل، وممتنون لدون على كل ما قدَّمته؛ حيث تقول ريموند: “لقد كانت رحلة طويلة ورائعة”، وكذلك يتفق معها مارك ريمان (مدير بعثة دون)، حيث يقول: “أشعر بالحزن لنهاية الرحلة، وفي نفس الوقت لا تسعني الحماسة بسبب نجاحها الهائل”. قلنُلقِ إذن نظرةً على بعض أهم المحطات في بعثة دون:

نظام دفع أيوني.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث

المركبة الفضائية

غالباً ما توصف المركبة الفضائية دون بأنها أشبه بالمركبات المقاتلة في أفلام الخيال العلمي، ولكن بمهمة استكشافية حقيقية في الفضاء؛ حيث يتألف الوقود الدافع فيها -بشكل أساسي- من عنصر كيميائي يسمى الزينون، وهو يُستخدم في محرك أيوني للاندفاع عبر الفضاء، وهذا الدفع الأيوني يعد أكثر فعالية بعشر مرات من أنواع الدفع الأخرى المستخدمة على الأرض، حتى لو تطلَّب مقداراً أكثر من الوقت للعمل؛ فعلى الرغم من أن دون تحتاج إلى أربعة أيام حتى تتسارع من وضعية السكون إلى 96 كيلومتراً في الساعة، إلا أنها استطاعت -بعد 11 سنة من السفر- أن تصل إلى أكثر من 4000 كيلومتر في الساعة؛ وذلك بسبب أن قوة جسيمات الزينون المشحونة التي تولدها بخروجها من المحرك ضعيفة لدرجة أنها تكافئ قوة ثقل ورقة على يدك، ولكن هذا كل ما تحتاجه في الفضاء الخارجي، حيث لا وجود للجاذبية، وكلما بقي المحرك يعمل لفترة طويلة، اعتُبر من أكثر الوسائل فعالية للتنقل في الفضاء.

وقد أثبتت “دون” نجاح هذا النوع من الدفع، ولهذا فمن المتوقع أن نرى الوهج الأزرق للزينون في بعثات أخرى في المستقبل.

أول صورة لفيستا التقطتها دون بعد التمركز في المدار.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس/ معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي/ المركز الألماني للفضاء والطيران/ محول الرسوِّ الشامل

 

صورة عامة لفيستا:

هذا هو فيستا، الذي يقارب عرضه 480 كيلومتراً، ويتألف من المكونات الأساسية التي تشكَّل منها نظامنا الشمسي، وقد كان هذا الكويكب الكبير -قبل أن تقترب دون منه- مجرد كتلة صخرية ظهرت بشكل واضح في صور التلسكوب الفضائي هابل، وخلال الوقت الذي أمضته دون في مدار فيستا، اكتشفت أن هذا الكويكب أقرب ما يكون إلى كوكب طفل، مما أعطى العلماء فكرة تقريبية حول بدايات الكواكب؛ تقول ريموند: “يعد فيستا عينة محفوظة بشكل جيد منذ بدايات تشكل النظام الشمسي”. وقد أصبح في وسع الفريق -بعد جمع البيانات مباشرة من المدار- أن يتتبع تطور فيستا عبر النمذجة الحاسوبية، واكتشفوا أن فيستا تشكِّل على الأرجح بعد 1.5 مليون سنة من تشكُّل النظام الشمسي، وهو ما يعني أن أولى الحصيات التي ظهرت حول الشمس ساعدت على تشكيل هذا الكويكب، وفي الواقع لا يمكن أن نجد الكثير من الصخور الفضائية التي تفوق فيستا عمراً.

 

خريطة للمواد الداكنة على فيستا.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس/ معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي/ المركز الألماني للفضاء والطيران/ محول الرسوِّ الشامل/ جامعة ماريلاند

البقع الداكنة على فيستا:

بعد مرحلة استكشاف أولية، اكتشفت دون بعض الملامح الغريبة وغير المتوقعة على السطح؛ تقول ريموند: “من الأشياء التي فاجأتنا إلى درجة كبيرة هو وجود بقعة من مادة داكنة ورطبة على سطح فيستا؛ فقد كان يُعتقد أن فيستا أكثر جفافاً من القمر بسبب جاذبيته، حيث إن القمر قادر على الاحتفاظ بكمية أكبر من الجليد، ولكننا وجدنا بقعة من مادة رطبة على خط الاستواء وكانت غنية بالهيدروجين”.

واكتشف الفريق أن البقعة لم تكن رطبة بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن المواد المعدنية فيها كانت غنية بالماء، وهو ما لم يكن متوقعاً، وتسمى هذه المواد المعدنية الغنية بالماء بالهيدروكسيلات، وهي تحتوي على الماء ضمن بنيتها البلورية، وقد عثر على مواد مشابهة على المريخ أيضاً، وعلى الرغم من أنها ليست ماء، فإنها دليل على وجود الماء في تاريخ هذا الجسم السماوي؛ تقول ريموند: “إنها ليست بماء أو جليد حر، ومع ذلك فقد كانت مفاجأة كبيرة واكتشافاً هاماً”.

 

صورة بالألوان المزيفة لسيريس كما يظهر للمركبة الفضائية دون.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس/ معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي/ المركز الألماني للفضاء والطيران/ محول الرسوِّ الشامل

صورة عامة لسيريس:

صُنِّف سيريس فيما مضى ضمن فئة الكويكبات، ولكنه انضم الآن إلى صفوف الأجسام السماوية الأكبر حجماً في نظامنا الشمسي، جنباً إلى جنب مع بلوتو وإيريس وغيرهما من الكواكب القزمة؛ حيث يبلغ عرض سيريس حوالي 965 كيلومتراً (أي أكبر بقليل من المسافة بين مدينة نيويورك وديترويت)، وعلى الرغم من أنه يبدو صغيراً للغاية مقارنة مع الكواكب الأخرى، إلا أنه هائل الحجم بالنسبة لجسم يسكن في حزام الكويكبات.

وقد دخلت دون مدار سيريس -بعد أن غادرت فيستا- والتقطت هذه الصورة للعالم المتجمد، ولم يكن الفريق متأكداً مما سيعرفونه عن سيريس، ولكن تبيَّن أنه أكثر إذهالاً وتعقيداً من المتوقع؛ فقد اكتشف العلماء -بعد إجراء بضعة عمليات استطلاعية أولية- أن من المحتمل وجود محيط تحت سطح سيريس فيما مضى، وأن من الممكن حتى أنه ما زال محتفظاً بنشاطه الجيولوجي حتى اليوم، كما بدأت تظهر بقع لامعة غريبة المنظر ومتفاوتة الحجم على السطح، وبعد تفحُّصها بدقة تبيَّن أنها أملاح رطبة.

 

داخل حفرة أوكاتور على سيريس.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس/ معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي/ المركز الألماني للفضاء والطيران/ محول الرسوّ الشامل/ معهد العلوم الكوكبية

داخل حفرة أوكاتور:

عندما اكتشفت دون هذه البقع اللامعة على سيريس، تساءل العلماء ما الذي يمكن أن يولِّد هذا الفرق في التباين على السطح؟ وبإجراء دراسة عن كثب، تبيَّن لهم أنها عبارة عن أكوام ملحية متجمدة تُدفع نحو الأعلى باتجاه سطح الكوكب القزم. ونحن نعلم أن سيريس تشكَّل على الأرجح في المناطق الخارجية من النظام الشمسي، حيث كانت درجة الحرارة منخفضة بما يكفي حتى يتجمَّد الماء بدلاً من تبخره تحت حرارة الشمس، ولكنه هاجر بعد ملايين السنين نحو المناطق الداخلية، واحتفظ بالكثير من المياه، شأنه شأن الكثير من الأجسام الأخرى في المناطق الخارجية من النظام الشمسي.

الجبل الوحيد على سيريس، والذي يرجح أنه بركان متجمد.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الدفع النفاث – معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا/ جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس/ معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي/ المركز الألماني للفضاء والطيران/ محول الرسوِّ الشامل/ معهد العلوم الكوكبية

 

جبل أهونا

يوجد على سيريس جبل واحد هائل الحجم بارتفاع 4 كيلومترات تقريباً، ويسمى جبل أهونا، ويدل هذا المَعلم المذهل على أن الكوكب القزم كان في حالة نشاط جيولوجي مؤخراً، وأنه قد يكون نشطاً حتى الآن، كما أن الخطوط البيضاء على جوانب الجبل مؤلفةٌ من كربونات الصوديوم، وهي ليست بالمادة الشائعة في النظام الشمسي، إذ ليست موجودة إلا على الأرض، وفي فوارات إينسيلادوس، وعلى سيريس؛ فما الشيء المشترك بين هذه الأجسام الثلاثة؟ نعلم أن الحياة موجودة على الأرض، ويعتقد الباحثون أنها موجودة على إينسيلادوس، فهل من الممكن أن تظهر على سيريس؟ هناك وسيلة واحدة فقط حتى نتأكد، ولكن بما أن دون أصبح وقودها في الرمق الأخير من حياته، فيجب أن نسلِّم هذه المهمة إلى بعثة أخرى في المستقبل.

error: Content is protected !!