Image

من الممكن أن يكون لها تأثيرات على الالتهابات الأخرى أيضاً.

Bread assortment يقول العديد من الأشخاص الذين يعانون من داء الأمعاء الالتهابي إن القنب الهندي (الماريجوانا) يخفف من الأعراض، ولا أحد يعرف سبب ذلك حتى الآن.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

إن جسم الإنسان مليء بالعجائب كما يقول جون ماير دائماً، وعندما يتعلق الأمر بالميكروبات، فإن هذه المقولة تنطبق بشكل خاص على أمعائك؛ حيث تعيش المئات من الأنواع الميكروبية التي تأكل وتتكاثر وتفرز مخلفاتها داخلها، ومع ذلك تتمكن الأمعاء -بطريقة ما- من النموِّ مع هذه الكائنات الكثيرة الموجودة داخلها في معظم الأحيان، ولكن الأمور في بعض الحالات لا تكون على ما يرام؛ حيث تبدأ الأمعاء في مهاجمة نفسها في سياق استجابة مناعية ذاتية، والتي تكون سيئة على الميكروبات والوسط المضيف على حدٍّ سواء.

وهي مشكلة مزمنة بالنسبة للأشخاص المصابين بهذه الحالة (والتي تعرف باسم أمراض الأمعاء الالتهابية؛ مثل داء كرون أو التهاب القولون التقرحي)، وتنطوي خيارات العلاج الحالية على الكثير من الأعراض الجانبية، وتتطلب التغيير المستمر حتى تظل فعالة، وقد لجأ بعض هؤلاء الأشخاص إلى الماريجوانا من أجل العلاج، ولكن قصصهم حول كيفية مساعدتها لهم ظلت مجرد قصص حتى الآن.

وتعدُّ إحدى الدراسات الجديدة (التي أجراها الباحثون في جامعة ماساتشوستس وجامعة باث) هي أول دراسة توضح العملية الفيزيائية التي يؤثر بها القنب الهندي على داء الأمعاء الالتهابي؛ مما يفتح المجال لإيجاد أدوية جديدة لعلاج هذه الأمراض المزمنة.

وعلى الرغم من أن العديد من مرضى داء الأمعاء الالتهابي يستخدمون منتجات القنب الهندي في مساعدتهم على علاج مرضهم، وعلى الرغم أيضاً من أن هذه الظاهرة قد خضعت لبعض الأبحاث الطبية، إلا أنه لا يعرف أحد بالضبط كيف أن المكونات الفعالة طبياً من الماريجوانا (المعروفة باسم الكانابينويدات) كان لها تأثير مضاد للالتهاب على الأمعاء المتهيجة قبل إجراء هذه الدراسة، ومن المفارقات أن الباحثين لم يكونوا يبحثون حتى عن هذه الإجابة الدقيقة، بل حدث ذلك بالصدفة في سياق محاولة فهم كيفية تنظيم الأمعاء السليمة لنفسها.

وتتواسط في الأمعاء طبقة رقيقة من الخلايا الظهارية بين طبقات الجسم والميكروبات التي تعيش داخلها، تقوم بيث ماكورميك (من جامعة ماساتشوستس) بدراسة الدور الذي تلعبه هذه الخلايا في تنظيم ميكروبات الأمعاء منذ أكثر من عقد من الزمان، وكانت نقطة البداية لهذا البحث الحالي هي اكتشافها السابق لمسار كيميائي تقوم فيه الخلايا الظهارية بمساعدة خلايا الدم البيضاء -من نوع العدِلات- في أن تعبر إلى الأمعاء وتلتهم بعض الميكروبات، لكن هذا لم يكن سوى نصف الإجابة فقط؛ إذ كان على شيء آخر -من أجل تحقيق التوازن- أن يُوقف عبور الكثير من العدِلات، ويقتل الميكروبات المسالمة، بل حتى الأمعاء نفسها، مما يؤدي إلى الإصابة بداء الأمعاء الالتهابي.

والإجابة التي ورد ذكرها في الدراسة الجديدة التي نُشرت مؤخراً في دورية جورنال أوف كلينيكال إنفيستيجيشن (Journal of Clinical Investigation) هي مسار مختلف في الخلايا الظهارية لبطانة الأمعاء أيضاً؛ حيث يُنتج هذا المسار الكيميائي بعض المواد التي تمنع العدِلات من عبور الخلايا الظهارية والوصول إلى الأمعاء، وقد اتضح أن هذه المواد -في الفئران على الأقل- هي الإندوكانابينويدات؛ إذ ترتبط هذه المواد الدهنية بنفس المستقبلات الكيميائية التي ترتبط بها الكانابينويدات الموجودة في القنب الهندي. تقول ماكورميك إن المرضى الذين ليس لديهم هذا المسار الثانوي “كانوا أكثر عرضة للإصابة بالتهاب القولون التقرحي”.

وعلى الرغم من أن البحث الحالي يُجرَى على الفئران، إلا أنه يشير إلى إمكانية حدوث نتيجة محتملة عند البشر كذلك، كما أن من شأنه أن يساعد على تفسير سبب كون الكانابينويدات تخفف الألم عند الأشخاص الذين يعانون من داء الأمعاء الالتهابي؛ وذلك لأنها تقوم بشكل أساسي بنفس الوظيفة التنظيمية التي يمكن أن تقوم بها الإندوكانابينويدات إذا كان الجسم ينتجها بنفسه. ويلزم بالطبع إجراء المزيد من الأبحاث، لكن ماكورميك تقول إنها تفتح إمكانية إعداد علاجات جديدة لداء الأمعاء الالتهابي تعمل على المسار الجديد، بما في ذلك بعض العوامل العلاجية المستخرجة من الماريجوانا.

ويقول ريتشارد بيك (طبيب الجهاز الهضمي بجامعة فاندربيلت، وهو غير مشارك في هذه الدراسة الجديدة): إن هذا ليس كل شيء، وإن نتائج ماكورميك “قد لا تكون خاصة بالأمعاء فقط”، ويضيف أن الخلايا الظهارية توجد على أسطح الأعضاء في جميع أنحاء الجسم؛ ولذلك قد توجد هذه الآلية في أجهزة أخرى، وهذا من شأنه أن يغير فهمنا لاستجابات المناعة الذاتية في أماكن أخرى من الجسم أيضاً.

وتعدُّ هذه الأخبار جيدة لـ 1.6 مليون شخص أميركي ممن يعانون حالياً من داء الأمعاء الالتهابي، ولكن بالنظر إلى مدى شيوع علاج المرض بالماريجوانا، فقد يتساءل البعض عن سبب عدم قيام الباحثين من قبل بدراسة آلية عملها في الأمعاء؛ ويرجع ذلك جزئياً إلى أن أبحاث الماريجوانا تميل إلى التسييس، وذلك حسب قول بيك، كما يعتقد أن هذا الاكتشاف قد يفتح فرصة جديدة لتشريع الماريجوانا الطبية. أما ماكورميك فقد كانت “طريقتهم غير المنحازة” هي الأساس للتوصُّل إلى هذه النتيجة؛ فهم لم يكونوا يقومون بالبحث لشرح آلية عمل القنب الهندي، وإنما توصلوا إلى ذلك فقط، تقول ماكورميك: “إن المرء قد يتمكن في بعض الأحيان من التوصُّل إلى بعض الأمور بمحض الصدفة”.

error: Content is protected !!