Image

إذا كنت تظن أن الصيف حار هنا، فجرِّب أن تقضي عطلتك هناك!

Bread assortment تخيل فني لكوكب كيلت 9 بي ونجمه.
مصدر الصورة: دينيس باهرام

اكتشف الفلكيون للمرة الأولى أبخرة من الحديد والتيتانيوم في سماء أحد الكواكب، وتتوهج هذه المعادن بالحرارة في الغلاف الجوي الحارق مثل الشريط المعدني المضيء في المصباح الكهربائي، ويقول الباحثون إن الطريقة التي اعتمدوا عليها لتحقيق هذا الاكتشاف قد تُستخدم يوماً للبحث عن دلالات الحياة على الكواكب الأخرى.

وقد كان العلماء يدرسون كوكباً من خارج النظام الشمسي (اسمه: كيلت 9 بي)، وهو أشد الكواكب المكتشفة حرارةً حتى الآن؛ حيث تتجاوز حرارته في النهار 4,300 درجة مئوية، وهي أعلى من حرارة الكثير من النجوم، ويقع هذا الكوكب على بعد حوالي 650 سنة ضوئية عن الأرض في كوكبة البجعة “سيجنوس”، ويدور حول النجم الأزرق اليافع كيلت 9، والذي تبلغ حرارته ضعف حرارة الشمس تقريباً، وتبلغ كتلة كيلت 9 بي حوالي 2.8 من كتلة المشتري، ويدور حول نجمه على مسافة تساوي تقريباً عُشر بعد عطارد عن الشمس.

ويصنف كيلت 9 بي ضمن مجموعة من الكواكب تسمي بالكواكب العملاقة شديدة الحرارة، والتي تعتبر حالة وسطية ما بين النجوم والكواكب العملاقة الغازية، وتتيح الحرارة الشديدة لهذه الكواكب من خارج النظام الشمسي فرصةً فريدة للباحثين من أجل تحليل مكونات غلافها الجوي؛ فعندما ترتفع حرارة المواد الكيميائية، يُصدر كل منها ضوءاً ذا نمط طيفي مميز يساعد الباحثين على تحديد هُويتها، كما لو أنها بصمة إصبع، ولا تصل الذرات والجزيئات على الكواكب العادية -بشكل عام- إلى حرارة كافية لإصدار الضوء، ولكن الحرارة ترتفع في هذه الكواكب الشبيهة بالمشتري إلى درجات عالية بحيث يمكن للمواد الكيميائية عليها -مثل الحديد- أن تصدر طيفاً مميزاً.

وقد اكتشف الآن الفلكي جينس هويميكرز (المختص بالكواكب التي هي خارج النظام الشمسي في جامعة جنيف وبرن في سويسرا)، وبالتعاون مع مجموعة من زملائه، أشعةً ضوئية من الحديد والتيتانيوم من كيلت 9 بي؛ حيث استطاع الباحثون باستخدام تلسكوب جاليليو الوطني (التابع لإيطاليا على جزيرة لا بالما في جزر الكناري، في ليلة 31 يوليو 2017) اكتشاف طيفٍ من ذرات الحديد حيادية الشحنة وذرات الحديد والتيتانيوم إيجابية الشحنة، وقد نشرت النتائج مؤخراُ في مجلة Nature.

يقول كيفن هينج (المؤلف المشارك في الدراسة، وهو فيزيائي فلكي نظري في جامعة برن في سويسرا): “إنها المرة الأولى التي يُكتشف فيها وجود كمية كبيرة من الحديد والتيتانيوم في الغلاف الجوي لأي كوكب خارج النظام الشمسي”، ولا يتمتع بالفعل أي كوكب من كواكب النظام الشمسي بحرارة كافية لوجود أبخرة الحديد والتيتانيوم في غلافها الجوي، ولهذا تعد هذه المرةَ الأولى التي يكتشف فيها أبخرة معدنية كهذه في سماء أي كوكب، وتقول أيضاً الفلكية لورا كرايدبيرج (في جامعة هارفارد، وهي غير مشاركة في هذا البحث): “يجب أن تكون درجات الحرارة شديدة الارتفاع -أقرب إلى حرارة النجوم من حرارة الكواكب- حتى تتحول هذه العناصر إلى الشكل الذري الغازي، إنها نتيجة مثيرة للحماس!”.

ومن شبه المؤكد أن كيلت 9 بي ونجمه يشتركان في أصل المواد المكونة لهما، كما يقول هينج: “هذا الكوكب ونجمه تشكلا من نفس القرص المؤلف من الغبار والغاز، وذلك وفقاً لمعلوماتنا حول تشكل الكواكب خارج النظام الشمسي، وإن تحليل التركيب الكيميائي للغلاف الجوي لكيلت 9 بي سيتيح لنا فرصة لفهم تاريخ تشكله”.

وعادة ما تكون نسبةٌ كبيرة من الذرات والجزيئات التي يتألف منها كوكبٌ ما مختبئةً في الغيوم أو عميقاً تحت الغلاف الجوي، وذلك كما هو الحال في كوكب الأرض؛ حيث إن معظم الجزيئات التي يتكون منها الكوكب -من النواة حتى السطح- غير موجودة في الغلاف الجوي، وفي المقابل تقول كرايدبيرج إن كيلت 9 بي “شديد الحرارة، لدرجة أن جميع الذرات والجزيئات مختلطة بشكل متجانس في الغلاف الجوي، ولهذا يمكننا أن نعرف المواد الأولية التي تؤلف هذا الكوكب؛ أي أن هذا الكوكب يمثل مختبراً فريداً من نوعه لدراسة العناصر الأساسية التي تُسهم في تشكل الكواكب”.

وعلى الرغم من أن كيلت 9 بي أشد حرارة بكثير من أن يوفر مقومات الحياة -كما نعرفها- على سطحه، إلا أن الطريقة المستخدمة لكشف وجود الحديد والتيتانيوم في غلافه الجوي -وفقاً لهينج- “مطابقة تماماً للتقنية التي يمكن استخدامها في الاستدلال على وجود الجزيئات الهامة من الناحية البيولوجية في كوكبٍ ما سيكتشف لاحقاً خارج النظام الشمسي”، وذلك مثل الأكسجين أو الجزيئات العضوية، ويتابع هينج: “يمكن أن نقول إن الكواكب الحارة خارج النظام الشمسي تشكل مرحلة تدريبية لنا، تتيح لنا تطوير مهاراتنا والاستعداد لأهداف أخرى مثيرة للاهتمام قد تظهر في العقود اللاحقة”.

error: Content is protected !!