Image

تفضيل نادر للتكنولوجيا على الفيزياء الأساسية.

Bread assortment آرثر أشكين، وجيرار مورو، ودونا ستريكلاند.
مصدر الصورة: نيكلاس إيلميهيد، نوبل ميديا

الضوء هو وسيلتنا الأساسية لجمع المعلومات عن العالم، ويمثل كل إنجاز جديد في مجال التلاعب بالضوء فرصة للباحثين لرؤية مفاهيم جديدة في الطبيعة، وبطرق جديدة. وقد تشارك ثلاثة علماء في جائزة نوبل للفيزياء لعملهم على تطوير تقنية ليزرية متطورة تساعد علماء البيولوجيا والفيزياء على كشف الستار عن الأشياء بالغة الصغر والسرعة.

فقد فاز بالجائزة لهذا العام ثلاثة مخترعين قاموا بتطوير أدوات ليزرية هامة، وهم آرثر أشكين، وهو فيزيائي أميركي قام بتطوير وسيلة لالتقاط الأجسام والإمساك بها باستخدام أشعة ضوئية مركزة، والفرنسي جيرار مورو والكندية دونا ستريكلاند، اللذَين أوجدا حلاً مبتكراً لتركيز وتضخيم أشعة الليزر بشكل يتجاوز ما تسمح به المواد المعتادة. وتعتبر ستريكلاند -وهي بروفسورة مساعدة في جامعة واترلو في كندا- ثالث امرأة تفوز بجائزة نوبل في الفيزياء بعد ماري كوري في 1903 وماريا جوبير-ماير في 1963.

قالت ستريكلاند للراديو العام الوطني الأميركي: “من الواضح أنه يجب الاحتفاء بالعالمات الفيزيائيات؛ لأنهن يعملن ويُثبتن وجودهن في كل مكان. لا أعلم ماذا يمكن أن أقول، لكني أشعر بالفخر لكوني واحدة منهن”.

وقد اخترع أشكين نسخة حقيقية من جهاز شعاع السحب المستخدم في أفلام “Star Trek”، وأطلق عليه اسماً مناسباً، وهو: الملقط الضوئي. وأثناء عمله في مختبرات بيل في الستينيات والسبعينيات، أكَّد على صحة المعلومة القديمة التي تعود إلى القرن السابع عشر، التي تقول إن من الممكن للشعاع الضوئي أن يدفع المادة، ولو بمقدار ضئيل. يقول ديفيد جرير (وهو فيزيائي يعمل على المصائد الضوئية في جامعة نيويورك): “لا يتمتع الضوء بقوة كبيرة، فلن تتمكن من رفع شاحنة باستخدام الضوء، ولكن يمكنك أن تتخيل تحريك ذرة مثلاً”.

لكن الذرات صعبة الرؤية، ولهذا بدأ أشكين يعمل مع حبيبات مجهرية شفافة، فلاحظ بشكل فوري أن الحبيبات لا تتحرك مع الضوء وحسب، بل إنها تنجذب نحو المنطقة الوسطى ذات الشدة الأعلى في الشعاع، وكانت الخطوة المنطقية التالية هي دراسة السرعة التي يمكنه أن يُحرِّك الحبيبات بها، ولهذا استخدم عدسة لتركيز الشعاع إلى نقطة واحدة، وتخيل أن الجسيمات القريبة ستُسحب إلى وسط الشعاع ومن ثم ستنطلق بفعل القوة المضخِّمة “مثل مدفع ضوئي” كما يقول جرير.

غير أن هذا لم يحدث، فقد انجذبت الجسيمات إلى النقطة المركزية وتوقفت عن الحركة عالقة في مكانها، وعندما قام أشكين بتحريك الشعاع، وجد أنه تمكن من تحريك هذه الجسيمات أيضاً؛ ولهذا أطلق على ابتكاره اسم الملقط الضوئي. لم يشكَّ أحد في أن من الممكن لموجةٍ أن تسحب جسماً في الاتجاه المعاكس لتدفق الليزر، ولكن السبب اكتُشف بسرعة، فقد كانت الجسيمات ترتد إلى الخلف عندما تقوم بتشتيت الضوء في اتجاه التدفق، وهذا أمر طبيعي تماماً مثل شخص في قارب يقذف كرةً ثقيلة من فوق رأسه. يقول جرير: “لقد قلب هذا العمل قرناً كاملاً من البديهيات، فقد كان هذا الأمر أمام أعيينا طوال الوقت، ولكن آرثر تمكن أخيراً من إدراكه”.

ثم انتقل أشكين بسرعة من التقاط الجسيمات إلى التقاط البكتيريا والفيروسات الحية، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لعلماء البيولوجيا؛ حيث لا توجد الكثير من الوسائل للإمساك بدويبات بهذا الحجم، ووفقاً لجرير فقد أدرك علماء آخرون قيمة هذه الأداة بسرعة، وخلال سنتين كان العلماء في جميع أنحاء العالم يستخدمون المصائد الضوئية.

وحالياً يتابع الفيزيائيون عملهم على تطوير قدرات هذه التقنية، فقد كان الملقط الضوئي الذي ابتكره أشكين قادراً على تحريك جسم واحد فقط لكل ليزر، غير أن مختبر جرير ابتكر طريقة لتوسيع شعاع واحد بصورة مولَّدة بالحاسوب، ومن ثم تركيزه لاحتجاز المئات من الجسيمات في نفس الوقت. كما دخلوا في شراكة مع ناسا لتضخيم هذه التقنية واستخدامها في التقاط بلورات الجليد ودقائق الغبار التي قد تركتها المذنبات العابرة في مدار الأرض، ويمكن رؤية بعضها بالعين المجردة. يقول جرير: “إن رؤية شيء بعينيك وهو يطفو في الهواء على وسادة من الضوء أمر مخيف بعض الشيء”.

أما النصف الآخر من الجائزة فقد ذهب إلى كلٍّ من ستريكلاند ومورو (الذي يعمل حالياً في مدرسة البوليتكنيك الهندسية في فرنسا)، حيث يمثِّل عملهما استجابة لصلوات قديمة تتوسل السماوات للحصول على المزيد من القدرة لليزر، فبعد اختراع أول ليزر في عام 1960، تمكَّن الفيزيائيون من زيادة شدته على مدى عقد كامل إلى أن وصلوا إلى طريق مسدود.

فقد كانت أجهزة الليزر الأولى تطلق نبضات ضوئية ضعيفة باستخدام أداة تسمى المذبذب، ومن ثم تضخيمها بجهاز يسمى المضخِّم (يا للاسم المبتكر!)، ولكن بعد حد معين، كانت شدة الضوء تزيد إلى درجة تدمير الجهاز، كما يحدث لمكبر الصوت عند رفع شدة الصوت إلى أعلى درجة، ولتجنب هذه المشكلة قام مورو وستريكلاند -اللذَين كانا يعملان سوية في جامعة روتشستر في ذلك الوقت- بابتكار حلٍّ ذكي يقوم على “مطِّ” الشعاع الضوئي (وذلك باستخدام كبل من الألياف الضوئية يبلغ طوله 1.6 كيلومتر تقريباً)، وتضخيمه في شكله الضعيف، ومن ثم إعادة ضغطه للحصول على “نبضة” بالغة القصر وعالية الشدة، وبعد حل جميع المشاكل التقنية قاما بنشر العمل في 1985، مطلقين سباقاً لم يتباطأ حتى اليوم للحصول على نبضات ليزرية أفضل وأسرع وأقوى.

يقول زينجو تشانج (وهو أخصائي في الفيزياء الضوئية في جامعة سنترال بفلوريدا، والذي عرض مختبره العام الماضي نبضة ليزرية قصيرة بما يكفي لإحراز رقم قياسي): “يعتبر هذا العمل من أكبر الثورات في علم الضوء، إنه من الاختراعات التي تؤدي إلى اكتشافات جديدة”.

وتعرف هذه النبضات باسم تضخيم النبضة المزقزقة (اختصاراً CPA)، وقد أطلقت هذه النبضات بالغة القصر والقوة العديد من المجالات في الفيزياء التجريبية، وفتحت المجال أمام ما يطلق عليه تشانج “العلم الشديد”؛ حيث إن الحرارة العالية والحقول المغناطيسية الشديدة الناتجة عن هذه الليزرات تسمح بدراسة المادة في ظروف فريدة من نوعها، والحصول على البلازما، وإطلاق الإلكترونات بسرعة تقارب سرعة الضوء، ومن الناحية التطبيقية فإن شدة هذا الليزر كافية لإيصال أية مادة إلى درجة الغليان، مما يؤدي إلى تبخر سريع يستخدمه الصناعيون لتقطيع المعادن بدقة كبيرة، كما يستخدم الأطباء هذه التقنية أيضاً لتحسين إبصار الملايين من البشر سنوياً بجراحات تصحيح البصر.

وقد أدت السرعات الفائقة لهذه النبضات إلى إطلاق مجال جديد كامل من التصوير العلمي للظواهر فائقة السرعة، يقول تشانج: “إذا أردت رؤية شيء سريع، فعليك أن تستخدم شيئاً أسرع منه”، وقد عرض تشانج نبضته السريعة في 2017، وهي تستخدم ليزراً من نوع تضخيم النبضة المزقزقة أقرب في الشكل إلى شمعة الاشتعال في المحرك، وقد دامت فقط لمدة 53 أتو ثانية (الأتو ثانية هي واحد من 10 للقوة 18 جزء من الثانية، وهي فترة كافية حتى يقطع الضوء مسافة ذرة واحدة أو اثنتين، علماً أنه يقطع في ثانية واحدة المسافة ما بين الأرض والقمر)، ويمكن لنبضات بهذه السرعة التقاط صور للجزيئات والإلكترونات.

وعادة ما تركِّز جائزة نوبل في الفيزياء على التطورات في الفيزياء الأساسية، ولكنها مُنحتْ أيضاً لإنجازات تكنولوجية؛ مثل اختراع جهاز البث الراديوي في 1909، والترانزستور في 1956، وليزر OG في 1964، ونصف الناقل في 2000، والديود المصدر للضوء في 2014. وتعتبر هذه الجائزة في 2018 إضافة أخرى إلى هذه القائمة الحصرية من التقنيات الفائزة بجائزة نوبل، ولكن بالنسبة لآلاف الباحثين الذين يستخدمون أدوات أشكين ومورو وستريكلاند في المجالات الجديدة التي نتجت عنها، فإن هذه الجائزة مستحَقَّة منذ زمن، يقول تشانج: “لقد كنت أنتظر هذا الخبر منذ زمن طويل، كنا متأكدين من حدوث هذا الأمر يوماً ما”.

error: Content is protected !!