Image

الإنسان والرياضيات ضدي أنا والطبيعة.

Bread assortment 43 كوينتليون تركيبة ممكنة، وحل صحيح واحد.
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

يعد مكعب روبيك -بالنسبة لمن لم يتعوَّد عليه- معضلة فكرية حقيقية، ويمكنني أن أقول إنني قمت بحلِّه لأول مرة منذ فترة قريبة، بل إنني أبالغ إذا قلت إنني حللته، فالحقيقة هي أن هذا الحل اشترك فيه ثلاثة أشخاص، وهم: فتاة يافعة وصبورة من “المُكَعِّبين” (أي من هُواة حل مكعب روبيك)، حيث تستطيع حله في 47 ثانية فقط، ومعلمتها في المدرسة المتوسطة، وقد كانت أقل صبراً بعض الشيء، كما كانت تشعر بالإحراج لأن وقت الحل الذي تحققه أقرب إلى دقيقة ونصف، بالإضافة إليَّ أيضاً.

أما وقت الحل لثلاثتنا فهو ساعة كاملة مليئة بالتوتر والإحباط، بالإضافة إلى أن فشلي الذريع كان في منتهى التضارب مع المهمة التي كُلفت بها، فقد استضاف متحف الفن الحديث في نيويورك مؤخراً مجموعات كاملة من المكعِّبين من النخبة، والطموحين، والراغبين، والحاضرين على مضض؛ وذلك بهدف إثارة دهشة الجمهور وتقديم النصائح لهم، بالإضافة إلى الربط ما بين مكعب روبيك والمفاهيم الروحية.

وقد تجمع كل هؤلاء في غرفة طعام خاصة ضمن المطعم الفاخر (إلى درجة غير مفهومة) في المتحف، وتناوب الحضور والمكعِّبون -على حد سواء- بين محاولة إقناع هذا المكعب البلاستيكي الملون بالتخلي عن أسراره العويصة، وبين الجلوس بشكل سريع قرب مخترِعه الانطوائي، حيث قام البروفسور الهنغاري إرنو روبيك بتطوير هذه اللعبة المُربِكة في 1974 من أجل متعته الفكرية الخاصة بشكل أساسي، وعلى الرغم من أنه ليس من هواة الظهور العام، إلا أن وجوده في هذا الحدث كان مصدر الجذب الرئيسي. وأثناء حوارنا الموجز الذي لم يَدُم لأكثر من سؤالين، أحسست أن عينيه -اللتين تفوقان في الزُّرقة الوجه الأزرق لمكعبه- تخترقان روحي التي تكره الأحاجي، ولكنه تكلم بشكل هادئ حول الفن، والصراع بين الإنسان والطبيعة، والرعب المترافق بالنجاح الباهر.

وروبيك لا يتحدث عبثاً، صحيح أن مكعب روبيك قد يبدو مجرد تقليعة أخرى من تقليعات الثمانينيات، وأنه خلال سنواته الأولى في الأسواق ما بين 1980 و1982 بِيعَ منه أكثر من 150 مليون مكعب، ثم اختفى في غياهب النسيان بسرعة مثل نجم بائد من حقبة بدايات السينما بالألوان، إلا أن الألفية الجديدة شهدت عودة لهذا المكعب، حيث قالت لنا ممثِّلة للشركة المصنِّعة له أنه أفضل لعبة في التاريخ من حيث المبيعات.

كما قالت لنا أيضاً إن أكثر من 60% من الأشخاص لعبوا بمكعب روبيك “أي أكثر من آيفون!”، وذلك وفقاً لأحد الاستبيانات. إذن فإن هذا الكائن سداسي الوجوه -الذي جعل تنهُّدات الحماس تتصاعد في الغرفة بشكل متواصل- قد اكتسح جميع أنحاء العالم، ولكن ممثلة الشركة لم تأتِ إلى الحدث حتى تخبرنا فقط عن احتكار الأسواق والهيمنة العالمية، فقد أصبح واضحاً وبسرعة أنه لا يوجد سوى بضعة شركات -إن وُجدت أصلاً- تؤمن بمنتجاتها بشكل متعصب مثل شركة روبيك، والتي -بالمناسبة- باعت السنة الماضية ما قيمته 250 مليون دولار من منتجاتها المسبِّبة للحيرة.

وإن الغموض البسيط للمكعب يعد أمراً رائعاً من وجهة نظر الأعمال، حيث إن شركة ماتيل مثلاً تمضي معظم وقتها في الدفاع عن لعبتها “باربي” ضد قلق الأهالي والمعلمين والناشطين، الذين ينتقدون مقاسات جسد هذه الفتاة البلاستكية، مخافة تأثيرها على وجهة نظر الأطفال البشر حول أجسادهم. ولا يوجد حصانة حتى لبعض الشركات التي تحاول أن تقدِّم ألعاباً ذات مسحة فكرية، فقد تعرضت شركة بيبي أينشتاين لانتقادات حادة بسبب إنتاج فيديوهات تعليمية خالية من أية قيمة تعليمية، وبعد أن استحوذت شركة ديزني عليها في 2002 مقابل 25 مليون دولار، اعترفت في 2009 بعدم وجود أية فائدة تُرجى من سلسلة الفيديوهات، وأعادت للأهالي المفرطين في اهتمامهم بأطفالهم أموالهم التي دفعوها، غير أنها لم تتمكن من إعادة علامات معدل الذكاء المفقودة أيضاً.

ومن ناحية أخرى فإن مكعب روبيك لم يُثِر سوى بضعة شكاوى، وهذا يعود -وفقاً لآخر معلوماتي- إلى أن الهندسة الفراغية ما تزال موضوعاً حيادياً لا يثير أية خلافات، وعلى الرغم من أن الألوان زاهية إلا أنها منظَّمة بشكل صارم، مما يعطي شعوراً مهدِّئاً أشبه بلوحة للفنان موندريان. ويعتبر مكعب روبيك في الثقافة الشعبية مفتاحاً للكون، وإذا تمكَّنت من حله -مثل شخصية ويل سميث في فيلم “البحث عن السعادة”- فسيفتح العالم أبوابه لك، فلا عجب إذن -في خضم هذا العصر الممتلئ بالفوضى المتفلِّتة- أن تصبح هذه الجوهرة البلاستيكية مركزاً لتجمعات ذات مسحة شبه روحية مماثلة لهذا التجمع.

وقد قرأت لنا ممثِّلة الشركة بعد ذلك رسالةً من معلمةٍ للصف السادس في ولاية واشنطن، تقول فيها إن أحد تلاميذها تكلم للمرة الأولى بعد أن حل مكعب روبيك (وقد قال “شكراً لكم” بعد أن صفَّق له زملاؤه في الصف)، فشَهِق الحاضرون في الغرفة تعجباً! ولكن هذه القصة الصغيرة التي أثارت الصدمة تشير إلى مسألة مثيرة للإعجاب -وموثقة بشكل جيد- حول عودة مكعب روبيك، فقد أدى هذا إلى ظهور مجتمع حيوي ونشط من المهتمين به، حتى أن نيويورك تايمز قد أوردت مؤخراً أن الكثير من المراهقين -وأغلبهم من الصبيان الذين كانوا سيتحولون إلى أفراد معزولين اجتماعياً، سواء بسبب الإصابة بدرجة من التوحد، أو بعض اضطرابات فرط النشاط، أو ممن يعانون من مشاكل في التكيُّف مع المجتمع فقط- قد وجدوا القبول الاجتماعي والتحفيز في عالم المكعِّبين التنافسيين.

غير أن الكثيرين قد أكدوا لنا أن هذا ليس سوى جزء من الموضوع، فقد صعد اثنان من المعلمين على المنصة المرتجلة، مرتديين قمصاناً كُتبت عليها عبارة: “لقد فعلتها!”، وشرحا لنا أن حل مكعب روبيك يعتمد على خوارزميات واضحة، حيث يمكن أن يحله البعض بالمحاولة والخطأ، أو يحله بطريقة سحرية مثل عبقري الرياضيات في فيلم “عقل جميل”، ولكن معظم الناس يتعلمون حله حالياً عن طريق كتيب تعليمات، تماماً مثل الكتيب الذي كان أمامنا على الطاولة.

وبمجرد أن تحدد هدفك -كأن تقول: “أريد أن أراصف هذا الوجه البرتقالي مع ذاك الوجه البرتقالي الآخر”- فيمكنك أن تتبع مجموعة محددة من الخطوات لتحقيق هذا الهدف. حيث يقول المقدمان إن هذه البنية الخوارزمية أصبحت مهمة بشكل كبير في هذا العالم الذي تهيمن عليه العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، أو كما يشار إلى هذه المجالات الأربعة في اللغة الإنجليزية اختصاراً: “ستيم STEM”. فقد استخدم منطق مكعب روبيك من قبل مطوِّرو البرمجيات في بناء برامج التشفير منذ عقود مضت، حيث يوجد فيه 43 كوينتليون (10 للقوة 18) تركيبة ممكنة، وحل صحيح واحد.

يقول المقدمان أيضاً إن حل هذه اللعبة ثلاثية الأبعاد يمكن أن يساعد التلاميذ على تحسين مهاراتهم المكانية، وهي تتوافق بشكل كبير مع النجاح في أي من مجالات ستيم. وقد أوردت الأكاديميات الوطنية للعلوم والهندسة والطب أن “التفكير المكاني يؤدي إلى زيادة المعرفة حول المكان والتمثيل والمحاكمة العقلية”، وهي المعرفة التي نستخدمها يومياً عندما نؤقِّت تحركاتنا المتكررة، أو نأخذ طرقات بديلة، أو نقرأ الخرائط، وبالطبع عندما نحل مكعب روبيك.

والتفكير المكاني يعتبر أساسياً في مجالات ستيم عند محاولة فهم اللولب المزدوج للدنا، أو تصميم أجنحة طائرة جديدة، كما يوجد الكثير من الوسائل لشحذ هذه المهارات، مثل بناء الطائرات المصغرة، أو ممارسة الرياضة، وكلتاهما مليئتان بالدروس والعبر الفيزيائية. وعلى الرغم من أنني لم أتمكن من العثور على أية دراسات مستقلة ومُحكَمة علمياً حول العلاقة ما بين مكعب روبيك والتفكير المكاني، إلا أن الصلة التي يقبل المنطق العادي بوجودها أثارت حماسة الغرفة بأكملها.

 

43 كوينتليون تركيبة ممكنة، وحل صحيح واحد.
مصدر الصورة: ديبوزيت فوتوز

وبعد أن انتهى إلقاء الخطابات بدأنا “رحلتنا”، على حد تعبير ممثلة الشركة. ولكنني عندما أمسكت بمكعب روبيك فوق طبق فاخر من سلطة الإجاص والهندباء الحمراء، شعرت بعجز كامل. ومن حسن الحظ، وصلت المدربة الشخصية التي وعدتْني بها رسائل البريد الإلكتروني من مسؤولي العلاقات العامة، وبدأنا نعمل معاً للحصول على “أقحوانة”، أي مربع أصفر وسط أربعة مربعات بيضاء. ولكن عندما تركتني لأتابع بشكل منفرد، لم أعرف ماذا أفعل، وعادت إليَّ بشكل مفاجئ جميع ذكرياتي حول محاولتي تجنب هذه الألعاب كأنها طاعون فكري، سواء في طفولتي أو في مكاتب بوبساي، حيث يوجد على الأقل مكعب واحد يتنقل من مكان إلى آخر على ما يبدو. ولكنني قررت أن أتمالك نفسي؛ إذ ليس من المستحسن أن أنفجر باكياً وأنا في مكان عام، ولأن هناك ولد يجلس بقربي يحل مكعب روبيك في زمن قياسي بدون مجهود يذكر.

تطلبت الخطوة التالية مساعدة معلمة المدرسة المتوسطة، وهي الحصول على الشكل الشهير المعروف باسم “إشارة الزائد البيضاء”، وتسمح هذه الحيلة بمراصفة كل المربعات البيضاء، وتشكيل الوجه “السفلي” للمكعب، والذي يمكن أن تنطلق منه لمراصفة باقي الأوجه. ولكني اكتشفت أنني لم أكن أعرف عدد الأوجه، إذ يبلغ عدد أوجه المكعب ستة بطبيعة الحال، ولكن مكعب روبيك مقسوم أيضاً إلى ثلاثة صفوف أفقية وعمودية، ويبلغ عمقه أيضاً ثلاثة صفوف. وفي أي “خوارزمية” للحل، يجب أن تميِّز ما بين الوجه الأمامي والخلفي المؤلَّف من المجموعة الأبعد من الصفوف العمودية، والوجهين الجانبيين، والوجه العلوي والسفلي… إنه أمر مثير للدوخة.

لو حدث معي هذا منذ عشر سنوات، لكنت استسلمت أو طلبت مساعدة صديق موهوب تمكن من حله بمفرده، ولكن في 2018 يمكنني أن أستعين بالدليل الإرشادي من شركة روبيك، الذي يقودني بالتدريج، صفاً صفاً، ثلاثة صفوف زرقاء، وثلاثة حمراء، وثلاثة صفراء، وثلاثة برتقالية، وثلاثة خضراء… ونكرر العملية مرة في المنتصف، ومرة في الأعلى.

وبعد أن استكملت حل أول مكعب روبيك، ظهر على وجهي ما سمَّته إحدى المعلمات في الغرفة “تلك الابتسامة التي ترافق حل المكعب”، وعلى الرغم من أنني حاولت أن أتمالك نفسي وسط تأوهات الإعجاب والتصفيق التي أثارتها الخطابات التي أُلقيت سابقاً، لم أستطع إلا أن أخبرها كم كانت على حق، فقد كنت أشعر بالفخر فعلاً، وكانت “الرحلة” تستحق العناء.

وعندما عدت إلى المكتب، أخذت أنظر إلى المكعب الذي يحمل توقيع إرنو روبيك على مكتبي، ولم أستطع أن أحدِّد ما الذي تعلمته بالضبط، وتساءلت: لو تابعت التدريب، هل كانت ستزداد براعتي فقط في حل مكعب روبيك؟ أم أنني كنت سأجد أنني اكتسبت مهارات أخرى لا علاقة لها به، وأن بعض أقسام مخي الضعيفة قد ازدادت قوة، وأنني أصبحت قادرة على التوصل إلى الكثير من الحلول المكانية؟ لست متأكدة تماماً، ولكنني في تلك اللحظة التي عادت فيها كل قطعة إلى مكانها، واستردَّ الشكل العشوائي ترتيبَه السابق، أحسست بصفاء يعم ذهني للحظة، وبدلاً من الهموم التي ترافقني عادة طوال اليوم، شعرت بأن قدراتي قد تخترق المستحيل.

في رأيكم، ما الأحجية التي يجب أن أجربها في المرة المقبلة؟

error: Content is protected !!