Image

لم يكتشف العلماء بعد مقدار المستوى الآمن من التعرض للشمس.

Bread assortment هل يمكن لهذه التقنية تحسين طريقة تفكيرنا في الآثار الصحية بعيدة المدى للتعرض للشمس؟
حقوق الصورة: بيكساباي

التعرض للأشعة فوق البنفسجية يسبِّب سرطان الجلد، هذا ما يقوله العلم بشكل واضح، لكن وفقاً لمؤسسة سرطان الجلد، فإن معدل الإصابة بهذا الورم الخبيث في ازدياد، فهل تستطيع التقنية تغيير ذلك؟ في السنوات القليلة الماضية، تصدرت عناوينَ الصحف موجةٌ من أجهزة الكشف عن الأشعة فوق البنفسجية، والتطبيقات، والملصقات المصممة لتنبيه المستخدمين إلى المستويات الخطرة من التعرض للشمس.

تقول إلك هاكر (الباحثة في “تحسين النتائج الصحية” التي هي جزء من جامعة كوينزلاند للتقنية في بريزبين بأستراليا): “يجري أخيراً تسويق الأجهزة الشخصية لقياس الأشعة فوق البنفسجية”، وترى -هي وخبراء آخرون- أن تلك الأجهزة لو تمكنت من قياس الأشعة فوق البنفسجية بدقة، فقد يكون لها تأثير كبير، لكن السؤال الكبير هو: هل حقاً تعمل هذه الأجهزة بشكل صحيح؟

تم تصميم معظم أجهزة استشعار الأشعة فوق البنفسجية القابلة للارتداء المتوافرة في الأسواق اليوم لتثبيتها على الملابس أو وضعها بإحكام حول المعصم، وعندما تخرج من المنزل، فإنها تسجِّل كمية الأشعة فوق البنفسجية التي يتلقاها جلدك، ومن ثم تعطيك النتيجة عن طريق أحد التطبيقات، بالإضافة إلى نصيحة حول مدى إمكانية أن تبقى خارج المنزل.

وتتحمل هاكر -ضمن أبحاثها- مسؤولية اختبار هذه الأجهزة وغيرها من التقنيات التي يمكن أن تحسِّن صحة الأستراليين الذين يعانون من معدلات عالية من سرطان الجلد؛ تقول هاكر: “استخدمت أجهزة قياس الأشعة فوق البنفسجية في الدراسات البحثية على مدى العشرين عاماً الماضية، أما الآن فإن هذه الأجهزة متاحة للمستهلكين”، وقد ازدادت قوة هذه التقنية داخل العديد من الأجهزة في السنوات القليلة الماضية؛ فمثلاً تصدَّر جهاز “يو في سينس” المموَّل من شركة لوريال عناوين الصحف في وقت سابق من عام 2018؛ وذلك لكونه جهازاً صغيراً جداً بحيث يمكن تثبيته على الظفر.

وغالبية هذه الأجهزة القابلة للارتداء تستخدم مقياس الجرعة الإشعاعية؛ وهو جهاز يقيس التعرُّض للإشعاع المؤيِّن من أجل حساب مدى التعرض للأشعة فوق البنفسجية، حيث يمتلك الإشعاع المؤيِّن مستوى عالياً من الإشعاع يكفي لإزالة إلكترون من الذرة، وإذا وصل إلى خلايا الجلد البشرية فإن من الممكن لقوته الهائلة هذه أن تتلف الحمض النووي، بما يزيد من فرص الإصابة بسرطان الجلد. وإن كلاً من الأشعة فوق البنفسجية من نوع (أ) والأشعة فوق البنفسجية من نوع (ب) مؤيِّنتان، لكن التي من نوع (ب) هي الأكثر تأييناً بكثير.

وبعد ذلك يتم إرسال بيانات التعرض للأشعة إلى التطبيق، وفيه يتم سؤال المستخدمين عن نوع بشرتهم، وعمَّا إذا كانوا يعانون أمراض جلدية اعتماداً على الجهاز القابل للارتداء الذي يستخدمونه، ومن ثم يغيِّر كل من هذين العاملين مقدار أشعة الشمس التي يُسمح لك بالتعرض لها؛ فالأشخاص المصابون بمرض الذئبة مثلاً -وهو أحد أمراض المناعة الذاتية- أكثر حساسية للتعرض للأشعة فوق البنفسجية، وفي بعض الأحيان يصابون بالطفح الجلدي.

 

“يو في سنس” من شركة لوريال؛ وهو جهاز قابل للارتداء يعمل بلا بطارية، ويتتبَّع تعرض المستخدم للأشعة فوق البنفسجية.
حقوق الصورة: لوريال

ولكن ليست كل هذه الأجهزة تقيس التعرض للأشعة فوق البنفسجية في الوقت الفعلي؛ فالأجهزة مثل يو في باتش -وهو أول تكرار من شركة لوريال لجهاز قياس الأشعة فوق البنفسجية القابل للارتداء- ومايكروسوفت باند، وباند2، وصن سبرايت، كلها تقيس الأشعة فوق البنفسجية عن طريق تحليل الضوء المرئي، ومن ثم تقدير كمية الأشعة فوق البنفسجية على أساس ذلك، ورغم أن هذه الطريقة تستطيع إعطاءك تقديراً للتعرض للأشعة فوق البنفسجية، إلا أنها ليست فعَّالة جداً؛ لأنها لا تستطيع التفريق بين الأشعة فوق البنفسجية من نوع (أ) والأشعة فوق البنفسجية من نوع (ب)، وذلك وفقاً لجوناثان زيبين؛ أستاذ الأمراض الجلدية المساعد في مركز ويل كورنيل الطبي في نيويورك. وهذا الأمر مهم جداَ لأن هذه الأشعة لها تأثيرات مختلفة على الجلد؛ فعلى الرغم من أن كليهما يساهم في الإصابة بسرطان الجلد، إلا أن الأشعة فوق البنفسجية من نوع (أ) هي المسؤولة أكثر عن الشيخوخة والتجاعيد، بينما يرجَّح أن الأشعة فوق البنفسجية من نوع (ب) هي التي تسبب الحروق؛ وذلك وفقاً لمؤسسة سرطان الجلد الأميركية.

ويعمل زيبين في المجلس الاستشاري الطبي لجهاز “شيد”؛ وهو جهاز قابل للارتداء لا يتجاوز طوله أربعة سينتيمترات يُثبَّت في ملابس المستخدمين، وهناك مخزون منه في الشركة، وقد تم طرحه في الأسواق عام 2016.

يقول إيمانويل دومون (مؤسس شركة “شيد”) إن جهازه هو أول جهاز قابل للارتداء يقيس التعرض للأشعة فوق البنفسجية بدقة، ويقول: “كان استخدام التقنية لقياس التعرض للأشعة فوق البنفسجية موجوداً منذ فترة طويلة جداً، ولكن الذي لم يستطع أحد أن يعرفه هو أن هذه الأجهزة لا يمكنها قياس التعرض للأشعة فوق البنفسجية المرتبطة بجلد الإنسان”.

فعلى سبيل المثال نجد أن جهاز “يو في سينس” -وهو غير متاح للمستهلكين حتى الآن- لا يقيس إلا الأشعة فوق البنفسجية التي من نوع (أ)، في حين أن جهاز “شيد” يقيس كلا نوعي الأشعة، وعند حساب المقدار الذي تكون عنده أشعة الشمس زائدة عن الحد، فإنه يعطي أهمية أكبر للأشعة فوق البنفسجية من نوع (ب)؛ لأنها هي الأكثر ضرراً على الجلد، وذلك وفقاً لدومون. وهذا بالإضافة إلى أنه يقيس ضوء الأشعة فوق البنفسجية داخل الأماكن المغلقة.

كما أن هناك لصاقات وتطبيقات يكتب عليها بالحبر الحساس للأشعة فوق البنفسجية، فيؤدي ذلك إلى تغير لون اللصاقات عندما تتعرض لأشعة الشمس، وهذا لا يسمح لك إلا بمعرفة الوقت الذي تتعرض فيه للأشعة فوق البنفسجية؛ حتى تتمكن من إعادة استخدام الواقي الشمسي أو العودة إلى منزلك. إضافة إلى أن التطبيقات المستقلة تستخدم معلومات أكثر عمومية -مثل مؤشر الأشعة فوق البنفسجية لموقعك ولون بشرتك- لتحديد ما إذا كنت آمناً أم لا، لكنها لا تكشف عن مدى تعرضك الشخصي للأشعة فوق البنفسجية.

هل تقلل هذه الأجهزة من معدل الإصابة بسرطان الجلد؟

لا يوجد فعلياً أي بحث عن مدى فعالية هذه الأجهزة حتى الآن؛ والسبب الأهم لذلك هو أن الخبراء لم يتوصلوا بعد إلى إجماع في تحديد المستوى “الآمن” من التعرض للأشعة فوق البنفسجية، هذا إن كان هناك مستوى آمن لها أصلاً.

وتحذر لورين إيكيرت بلوش (أخصائية الأمراض الجلدية) من الاعتماد على هذه الأجهزة لتحديد هذا المقدار من الزمن، وتقول: “لا أعتقد أن مستشعر جرعة الأشعة فوق البنفسجية مفيد، فحتى الجرعات الصغيرة من هذه الأشعة ضارة لبشرتنا، ولا توجد جرعة “آمنة” حقيقية عند الحديث عن الإشعاع فوق البنفسجي”.

لكن جون روجرز (عالم المواد في جامعة نورث ويسترن الذي طوَّر جهاز “يو في سينس”) يقول إن الأطباء قاموا بتكوين خطَّ أساسٍ يتعلق بلون البشرة من أجل تحديد مقدار الوقت المتاح قبل حدوث حروق الشمس، وهو -وفقاً لهاكر- حوالي 10 دقائق للشخص ذي الشعر الأحمر والبشرة الفاتحة في بريزبين، بينما يكون هذا الوقت أطول لذوي البشرة الداكنة، ومع ذلك فإن هاكر وروجرز يقولان إن ذلك الوقت الخالي من الحروق لا يمنع الشخص من التعرض لأضرار الأشعة فوق البنفسجية.

كما يؤثر حجم مقياس الجرعات ومكان وضعه في الجهاز القابل للارتداء نفسه على دقة الكشف عن الأشعة فوق البنفسجية؛ تقول هاكر: “تبيِّن لنا جميع الأدلة أن أجهزة الكشف عن الأشعة فوق البنفسجية القابلة للارتداء لا تُثبَّت دائماً في المكان المناسب للكشف عن الأشعة فوق البنفسجية بدقة تامة”؛ فإذا قمت بثبيت الجهاز على الجزء الأمامي من قميصك مثلاً وكنت مستلقياً، فحينئذٍ سيقيس مقدار الأشعة فوق البنفسجية بدقة أكبر مما لو كنت واقفاً ومرتدياً قبعة. كما أن هناك عاملاً آخر، وهو عدم وجود اختبار لتناسق عمل هذه الأجهزة؛ بمعنى: هل يعطيك أحد التطبيقات نفس مقدار “الزمن الآمن للشمس” الذي يعطيه لك تطبيق آخر؟

وحتى الآن لا أحد يعرف -بالضبط- مقدار التعرض للأشعة فوق البنفسجية الذي يمكن أن يتعرض له الشخص دون أن يصاب بالضرر، ناهيك عن كون ضرر الشمس تراكمياً؛ حيث إن التعرض لأشعة الشمس على المدى الطويل يحمل مخاطر عالية للإصابة بسرطان الجلد.

لكن قد يكون لدينا إجابة أفضل قريباً؛ حيث تُجرى حالياً تجارب سريرية عديدة لمعرفة ذلك، وسيقوم فريق روجرز بإطلاق دراسات في ديسمبر 2018 من خلال منحة قدرها 2 مليون دولار من المعاهد الوطنية الأميركية للصحة من أجل دراسة جهاز “يو في سينس” على المرضى المعرَّضين لخطر الإصابة بالورم الميلانيني؛ يقول روجرز: “سنقوم بتتبع التعرض للأشعة فوق البنفسجية -من النوعين (أ) و (ب)- وفهم ما الذي يعمل وما الذي لا يعمل”، وسيتمكن الفريق من تحسين استفادة المستهلكين من جهاز “يو في سينس” استناداً إلى نتائج هذه التجارب. لكن الهدف الأكبر -كما يقول روجرز- هو معرفة ما إذا كان الجهاز سيغيِّر السلوك بالفعل.

لكن إيمانويل دومون (الذي ابتكر جهاز الاستشعار “شيد”) في أثناء بحثه عن تقنية الأشعة فوق البنفسجية القابلة للارتداء في معهد جيكوبس تيكنيون-كورنيل في عام 2014، كان يأمل في أن يصبح الجهاز القابل للارتداء أول جهاز لا يتوقف عند إثبات فعاليته في تحديد الأشعة فوق البنفسجية فقط، بل يستطيع أيضاً الحدَّ من معدلات سرطان الجلد.

ويقوم فريقه حالياً بإجراء تجارب سريرية فريدة من نوعها لمعرفة ما إذا كانت هذه التقنية -عند استخدامها بشكل صحيح- ستقلِّل من خطر الإصابة بسرطان الجلد؛ يقول دومون: “كانت هذه الأجهزة موجودة منذ فترة، ولكنها ليست سوى أدوات، وهدفنا هو إثبات أن تقنيتنا لها هدف سريري؛ أي إثبات أن استخدامها يقلِّل من خطر الإصابة بسرطان الجلد”.

وقد نشر جهاز “شيد” دراسة قارن فيها دقته بدقة الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء المتوفرة في الأسواق، ووجد أنه الأكثر دقة والأكثر حساسية من بينها، لكن تجربته السريرية ستنتهي في فبراير 2019.

وقد بدأت هاكر وفريقها دراستهم السريرية في عام 2015 بالمقارنة بين جهاز “كيو صن” القابل للارتداء والتطبيق المسمى صن سمارت؛ تقول هاكر: “كنا نتساءل عما إذا كان الجهاز يستطيع أن يعرف تلك العتبة التي تسبق إصابتك بالحروق”، لكن الأهم من ذلك أن فريقها أراد معرفة مدى إمكانية هذه الأجهزة لحثِّ الناس على تغيير سلوكهم، ووفقاً لهاكر سيتم نشر النتائج في الأسابيع القليلة القادمة.

وتغيير السلوك هذا هو ما يراه بلوتس أكثر أثر معقول لهذه الأجهزة؛ حيث يقول: “هذا من شأنه أن يقلِّل من معدلات الإصابة بسرطان الجلد على المدى البعيد؛ حيث يدرك الناس أنهم في حاجة إلى استخدام واقٍ شمسي أو ارتداء ملابس واقية من أشعة الشمس عندما يظنون أنهم آمنون”.

هل يجب عليك شراء أحد هذه الأدوات؟

يشبِّه زيبين هذه المستشعرات للأشعة فوق البنفسجية بأنها كالأجهزة المنزلية لمراقبة مستوى الجلوكوز في الدم أو أجهزة مراقبة ضغط الدم، والتي يمكن أن تكون بمنزلة دليل للذين يقلقون من تعرُّضهم للأشعة فوق البنفسجية.

كما يرى أن الذين يعانون بالفعل من سرطان الجلد -أو أية حالة أخرى تتفاقم بسبب التعرض للشمس- هم الذين يرغبون بشكل خاص في وجود وسائل أكثر دقة لحساب أنشطتهم اليومية؛ يقول: “يصعب على كثير من الناس أن يتعرَّضوا للأشعة فوق البنفسجية في منطقة الرأس، ومن الصعب على الناس معرفة مقدار أشعة الشمس الزائد عن الحد؛ لأن ضوء الشمس لا يمكن قياسه بسهولة”.

ويقول زيبين إن هذه الأجهزة سمحت لنا أخيراً بإتاحة ذلك للجمهور، ولكنه ينتظر الأبحاث التي تؤكِّد أنها تقلل من خطر الإصابة بسرطان الجلد قبل أن يوصي مرضاه بها.

ولكن هاكر ما زالت حتى الآن متفائلة بشأن فكرة أن التقنية يمكنها تحسين طريقة تفكيرنا في التعرض للشمس، وتقول: “كلنا نريد أن نخرج ونستمتع بالشمس”، لكننا في حاجة للقيام بذلك بطريقة آمنة فقط.

error: Content is protected !!