Image

عندما نسي طاقم شركة جيت أيروايز مؤخراً أن يعايروا الضغط داخل الطائرة، أحس الركاب بذلك.

Bread assortment

غالباً ما تبدأ رحلات الطيران بمجموعة من قوائم التدقيق، مثل: هل الجوارب موجودة؟ نعم. هل الملابس الداخلية الاحتياطية الداخلية موجودة؟ نعم. هل أحضرت سترة إضافية في حال اشتد البرد في الليل؟ نعم. وعلى الرغم من أهمية الملابس الداخلية لنجاح أية رحلة، إلا أن هناك قائمة أخرى تخضع للتدقيق أيضاً وأنت جالس في مكانك وتشتكي من ضيق مقاعد الطائرة، حيث توجد قوائم تدقيق خاصة بطاقم الطائرة قبل الإقلاع، وذلك حتى يتأكدوا من أنهم لم ينسوا شيئاً مثل معايرة ضغط القمرة مثلاً.

لكن طاقم رحلة شركة جيت أيروايز رقم 9W 697 تمكنوا مؤخراً -وبطريقة ما- من أن ينسوا هذه الخطوة الحسَّاسة في طريقهم من مومباي إلى جايبور، وكانت النتيجة أن صارت الطائرة مليئة بالركاب المذعورين الذين استيقظ كثيرون منهم من غفوتهم مع ألم حاد في الأذنين، ونزيف من الأذنين والأنف، والكثير الكثير من الارتباك.

واكتفت شركة الطيران نفسها بإطلاق بيان مبهم، غير أن لاليت جوبتا (وهو نائب المدير العام للإدارة العامة للطيران المدني في الهند) قال لصحيفة هندوستان تايمز إن “الرحلة 9W 697 من مومباي إلى جايبور عادت أدراجها إلى مومباي بعد الإقلاع أثناء صعود الطائرة؛ وذلك بسبب نسيان طاقم الطائرة تشغيل زر معايرة ضغط القمرة”.

الأساسيات أولاً: ما معنى معايرة ضغط القمرة؟

يقل ضغط الهواء مع زيادة الارتفاع، مما يزيد من صعوبة الشهيق؛ وذلك لأن جزيئات الأكسجين تتباعد عن بعضها حرفياً، ولهذا عندما تزور مدينة مثل دنفر -التي يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر حوالي 1.6 كيلومتر- فقد تلاحظ أنك تتعب بسرعة أكبر، وذلك لأن دماغك وعضلاتك تتلقى كمية أقل من الأكسجين.

وعندما تحلق الطائرات على ارتفاع أعلى من 4.5 كيلومتر، يجب معايرة الضغط داخل القمرة حتى يبقى تركيز الأكسجين مرتفعاً بما يكفي بالنسبة لجميع من على متن الطائرة، على الرغم من أنهم لا يرفعون الضغط فعلياً إلى قيمته عند سطح البحر (إذ عادة ما يكون أقرب إلى الضغط على ارتفاع 3.6 كيلومتر). وإذا كانت الطائرة تعمل بشكل طبيعي، فإن بوابتها تُقفَل تماماً، وتقوم برفع الضغط تلقائياً في الداخل بشكل انسيابي مع تناقصه في الخارج، بحيث لا يلاحظ الركاب أي فرق يذكر، ثم يحدث نفس الشيء بالعكس في نهاية الرحلة لإعادة كل شيء إلى طبيعته.

أين يكمن الخطر في عدم معايرة الضغط؟

يبدو أن نقصان الضغط هذا قد تسبب في انفجار بعض الأوعية الدموية الصغيرة في الأنوف والآذان، وربما ثُقِبت طبلة الأذن في بعض الأحيان، وهي أشياء مألوفة عند تناقص الضغط؛ حيث إن تصميم الجسم البشري مخصَّص للعمل فقط عند مجال ضيق من الضغط يتراوح حول الضغط عند سطح البحر، وعند الخروج من هذا المجال فإن بعض الأماكن الحساسة تتضرر، وذلك كالسوائل والغازات، فهي تتأثر بالضغط أكثر بكثير من النسج الصلبة، ولهذا تظهر الإصابات عندها أولاً. وفي الواقع فأنت تتعرض لنسخة خفيفة من هذا في الطائرات أو حتى في المصاعد السريعة، حيث تحس بانغلاق يليه انفتاح في الأذنين على شكل طقَّة مفاجئة، ويحدث هذا بسبب أن هناك أنبوباً غشائياً صغيراً داخل الأذن يسمى نفير يوستاش، يقوم بموازنة الضغط ما بين الجو الخارجي والأذن الداخلية، حيث يوجد في الداخل جيب هوائي صغير، ويمكن لتغيرات الضغط أن تسد هذا الأنبوب، مسبِّبةً ظهور خلاء صغير مؤلم في الأذن الداخلية. ويمكن لمضغ اللبان أو حتى مص قطعة حلوى بقوة أن يخفف من هذه المشكلة، لأن الابتلاع يفتح نفير يوستاش.

وباختصار فإن الأذن شديدةُ الحساسية لتغيرات الضغط، وبالتالي فإن النزيف من الأذنين قد لا يكون مفاجئاً نظراً لنقص الضغط على متن هذه الطائرة، وبشكل مشابه يمكن للأوعية الدموية الرقيقة داخل الأنف أن تنفجر أيضاً.

كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث؟

عندما تفقد الطائرة ضغطها الداخلي بشكل مفاجئ، فإن هذا يعود غالباً إلى عطلٍ يصيب القفل الهوائي الذي يعزل الضغط داخل الطائرة. وعادة ما تكون الطائرات الكبيرة مجهَّزة بشكل جيد للتعامل مع مشكلة كهذه، حيث تسقط أقنعة الأكسجين أمام الركاب لتؤمِّن لهم ما يكفي منه ريثما ينخفض الطيَّارون بالطائرة إلى ارتفاع 3 كيلومترات أو أقل، حيث تبلغ كثافة الهواء حداً مناسباً للجميع. ومن المهم أن يتم هذا بسرعة؛ حيث إن أخطر أمرٍ ناتج عن فقدان الضغط -على الرغم من كل الانفجارات الدرامية في الأفلام- هو نقص التأكسج.

ويمكن أن يكون التعرف على نقص التأكسج -أو عَوْز الأكسجين- صعباً للغاية، غير أنه كفيل أيضاً بتدمير وظائف الجسم بشكل كامل، وبسرعة شديدة. وتقول الهيئة الفدرالية للطيران في أميركا إن “إمكانية اتخاذ إجراءات تصحيحية ووقائية تنتهي خلال 20 إلى 30 دقيقة على ارتفاع 5.5 كيلومتر، وخلال 5 إلى 12 دقيقة على ارتفاع 6.1 كيلومتر، متبوعة بفقدان الوعي بسرعة”. وغالباً ما تحلِّق رحلات الطيران التجاري على ارتفاعات أعلى بكثير تبلغ حوالي 10.6 كيلومتر تقريباً، حيث يبلغ “وقت الوعي المفيد” ما بين 30 ثانية ودقيقة واحدة، وهو وقت كافٍ لأنْ تتخذ خلاله قراراً مثل “هل يجب أن أضع قناع الأكسجين هذا على وجهي أم لا؟”. ولهذا يُطلب من الركاب أن يرتدوا أقنعتهم قبل أن يساعدوا أطفالهم على ارتدائها أيضاً، وقد يبدو هذا الإرشاد خالياً من الحنان والعطف على الأطفال، ولكن الأهل الذين يضعون أقنعة أطفالهم أولاً قد لا يتبقى لديهم بعد ذلك ما يكفي من القوة حتى ينقذوا أنفسهم.

ومن الجدير بالملاحظة أيضاً أن الهيئة الفدرالية للطيران تركِّز على أنه قد لا يكون من السهل تمييز أعراض نقص التأكسج، خصوصاً إذا بدأت تظهر بشكلٍ تدريجي، وبالتالي إذا لم تتم معايرة ضغط الطائرة وبدأ مستوى الأكسجين ينخفض، فقد يصعب عليك أن تميِّز ما إذا كان نقص التأكسج قد بدأ بمهاجمتك أم بمهاجمة الطيار المساعد.

ولكن ما هذه الأعراض؟ نلجأ مرة أخرى إلى الهيئة الفدرالية للطيران، حيث تقول إن هذه الأعراض هي: “ظهور ضعف في التقدير، والذاكرة، والانتباه، والتنسيق، والقدرة على إجراء الحسابات، إضافة إلى ظهور الصداع والنعاس والدوخة، والشعور بالابتهاج الزائد أو العدوانية”.

ونظراً لأن هذه الآثار شديدة التأثير على وظائف الجسم وصعبة التمييز في نفس الوقت، فإن الكثير من الطيارين -خصوصاً العسكريين منهم- يخوضون تدريبات خاصة لاختبار هذه الآثار بأنفسهم ورؤيتها على زملائهم؛ حيث تدخل أولاً مجموعةٌ منهم إلى حجرة تخفيض الضغط مع أقنعة للأكسجين، ومن ثم ينزع أحدهم قناعه، وتُسند إليه بعض المهام الأساسية حتى يتبين الحد الذي يفقد عنده القدرة على التفكير بشكل صحيح، كما في الفيديو التالي:

فقد هذا الطيار حتى القدرة على تمييز البطاقة التي ينظر إليها، ناهيك عن القدرة على تمييز مشكلةٍ أو التحليق بطائرة كاملة، وذلك خلال بضعة دقائق وحسب.

وإذا لم يميِّز الطيارون ما يحدث بسرعة، فإذن يكون نقص التأكسج مشكلة هائلة، وقد يصل السيناريو الأسوأ إلى شيء مماثل لما حدث مع الرحلة 522 لشركة هيليو أيروايز من قبرص إلى أثينا في 2005؛ فقد لاحظ أعضاء طاقم الطائرة في الرحلة السابقة وجود مشكلة في إحدى أنظمة العزل للأبواب، ومن أجل إصلاح المشكلة اضطر المهندس إلى تغيير التحكم في نظام معايرة الضغط إلى النمط اليدوي، وبعد إصلاح الباب نسي إعادة النظام إلى الوضع الآلي، ولم تقم طواقم الطيران بتصحيح الخطأ خلال ثلاثة عمليات تدقيق منفصلة للطائرة، كما لم ينتبه الطيارون إلى جميع إشارات التحذير لعدة مرات، وفي نهاية المطاف طلبوا المساعدة على اللاسلكي لحل مشكلة في نظام تبريد التجهيزات، وطلب نفس المهندس -الذي غيَّر النظام إلى النمط اليدوي- أن يتحقَّقوا مما إذا كان نظام معايرة الضغط يعمل بالنمط الآلي.

ومن سوء الحظ فقد كان الطياران في المراحل الأولى من نقص التأكسج، واستمرا في الحديث عن نظام التبريد بدون أن يستوعبا ما يحدث، وفي النهاية أصيب جميع مَن في الطائرة تقريباً بفقدان الوعي، وتابعت الطائرة طريقها إلى أثينا معتمدة على الطيَّار الآلي، وهناك دخلت في نمط الانتظار (أي التحليق على شكل حلقة مغلقة فوق نفس المنطقة، وعادة ما يستخدم لتأخير هبوط الطائرة)، وبعد وقت قصير انطفأت المحركات بسبب نفاد الوقود، وسقطت الطائرة على التلال خارج أثينا، متسببة في مقتل الجميع.

ولكن في أغلب الأحيان -وعلى نقيض ما وقع في هذه الحادثة المروِّعة- يمكن النجاة من نقص الضغط داخل الطائرة، ففي رحلة لشركة ساوثرن أيرلاينز تعرَّض بدن الطائرة لمشكلة أحدثت فتحة فيه بعرض 43 سنتمتراً على ارتفاع 10.36 كيلومتر، ولم يمت أي شخص على الإطلاق. وبعد سنتين أصيبت طائرة أخرى لنفس الشركة بعطل في إحدى وصلات بدن الطائرة، مما أدى إلى ظهور شق بطول 152 سنتمتراً، ووصل الجميع أحياء إلى وجهتهم.

وبالتالي إذا كنت في رحلة بالطائرة وتعرَّضت لفقدان الضغط فلا داعي للقلق، لأنك ستبقى بخير على الأرجح، وسيقتصر الأمر على وضع قناع الأكسجين (تذكر ارتداء قناعك أولاً قبل مساعدة الآخرين)، والإصابة بشيء من الذعر أثناء انخفاض الطائرة بسرعة، وبعد ذلك سيهبط طاقم المحترفين بها في سلام.

error: Content is protected !!