Image

إذا نجح ذلك بالفعل، فيمكن أن يساعد في القضاء على أحد أكثر أنواع السرطان فتكاً.

Bread assortment إن علاج السرطان بواسطة الفيروسات ليس جامحاً كما يبدو.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

لقد تراجعت المخاوف من فيروس زيكا في العام الماضي، فالحالات الجديدة من المرض -الذي ابتُليت به الأميركيتَين لمدة عامين تقريباً وأُصيب به مئات الآلاف من الأشخاص- تعد نادرة للغاية هذه الأيام. ومع ذلك فلا يعني هذا أن الأطباء قد نسوا كل ما يتعلق به فجأة، ففي عملية تطويرٍ واختبارٍ للُقاح عامل يمكنه أن يحمي من الفيروس، يشير بحث جديد إلى أن من الممكن أن نكون قد وجدنا -صدفةً- علاجاً لأحد أشد أشكال السرطان فتكاً.

وفي النتائج الجديدة المنشورة في مجلة “إم بيو MBio“، نجح فريق من الباحثين من فرع جامعة تكساس الطبي في جالفستون ومن الصين في استخدام لقاح فيروس زيكا الذي يتم تطويره حالياً للقضاء على الورم الأرومي الدبقي، وهو شكل شديد العدوانية من سرطان الدماغ، وهو يقتل معظم المرضى به خلال أقل من عامين، وهو نفس نوع السرطان الذي أودى مؤخراً بحياة السيناتور الأميركي جون ماكين. ويعيش أقل من 3% إلى 5% من المرضى لأكثر من خمس سنوات، وحتى عندما يتم علاج السرطان بالجراحة وتليها جرعات عالية من العلاج الإشعاعي والكيميائي، فعادةً ما ينتكس ويعود السرطان إلى المريض، ويرجع ذلك غالباً إلى القدرة الخارقة للخلايا الجذعية للورم الأرومي الدبقي على الاختفاء تحت الأنسجة السليمة للدماغ.

يقول أندرو سلون (أخصائي الأورام العصبية في كلية الطب بجامعة كيس ويسترن ريزيرف): “الحقيقة هي أنك إذا أزلتَ الخلايا غير الجذعية -التي قد تصل إلى 98% من السرطان- فإنها قد تعود في نهاية الأمر”.

إن آلية مرض زيكا -الذي يسببه فيروس ZIKV- في إحداث تلف في دماغ الجنين هي التي جعلته سلاحاً مرشحًاً ومثيراً ضد الورم الأرومي الدبقي، ويفسر ميلان تشهيدا (أخصائي الأورام العصبية في جامعة واشنطن في سانت لويس، والذي لم يكن مشاركاً في الدراسة ولكنه درس سابقاً تفاعلات زيكا مع الورم الأرومي الدبقي): “إن فيروس ZIKV يستهدف الخلايا الجذعية الطبيعية في دماغ الجنين الآخذ بالنمو، ولكن له تأثيرات ضئيلة على دماغ البالغ”، واتضح أن فيروس ZIKV يحب أن يستهدف خصوصاً الخلايا الجذعية العصبية التي لم تتطور بعد إلى خلايا عصبية كاملة التشكُّل، ومن الواضح أن دماغ الجنين الآخذ بالنمو مليء بها. ويضيف: “بما أن الخلايا الجذعية للورم الأرومي الدبقي تتشارك في خصائصها مع الخلايا الجذعية العصبية، فقد تساءلنا عما إذا كان من الممكن تسخير النشاط الطبيعي من الصقل والانحلال [أو التمزُّق] لفيروس ZIKV لغرض استهداف الخلايا الجذعية السرطانية وقتلها”.

وعلى الرغم من أن حقن الشخص بمرض ما كعلاج طبي -العلاج بالفيروسات- يمكن أن يبدو عشوائياً وخطراً، إلا أن الباحثين عملوا طويلاً على تطوير الفيروسات كعوامل لمكافحة السرطان، حيث يقول جاستين لاثيا (الباحث في معهد كليفلاند كلينك ليرنر للأبحاث، والذي لم يشارك في الدراسة): “إن استخدام الفيروسات كشكل من أشكال علاج السرطان يعد أمراً ممكناً، وتتمثل المزايا الرئيسية في قدرة الفيروس على قتل الخلايا السرطانية بشكل مباشر، وفي نفس الوقت فإنه ينشِّط جهاز المناعة، لكن العيب الرئيسي هو القدرة على التحكم في تكاثر الفيروس، إذ يمكن أن يكون لهذه الطرق تأثيرات بعيدة عن الهدف” وهي تجعل الفيروس معادياً -بشكل أساسي- للخلايا السليمة في الجسم.

وكان تشهيدا وزملاؤه قد نشروا سابقاً في العام الماضي نتائج أظهرت أن فيروس زيكا -في حالته الطبيعية- يمكن أن يستهدف ويقتل الخلايا السرطانية للورم الأرومي الدبقي في المختبر، وعندما تم حقنه داخل الفئران المصابة بالورم الأرومي الدبقي، استطاعت أن تعيش لفترة أطول بمرتين إلى ثلاث مرات بالمقارنة مع الفئران التي لم تحقن بهذا العلاج، وذلك في حين ظلت جميع الخلايا غير السرطانية دون مساس.

وقرَّر بي يونغ شي (اختصاصي علم الوراثة في الفرع الطبي لجامعة تكساس، والذي شارك في تلك الدراسة) أن يأخذ خطوة إلى الأمام ويرى ما إذا كان الشكل الأكثر أماناً من فيروس زيكا يمكنه أن يحقق نفس النتائج دون المخاطرة بالإصابة بالعدوى أم لا، ولذلك توجَّه هو وزملاؤه الآخرون إلى لقاح ZIKV-LAV، الذي يستخدم شكلًا حياً من الفيروس الموهن للوقاية من عدوى زيكا؛ وذلك بهدف توفير مناعة ضد سلالات زيكا النموذجية.

اختبر الفريق اللقاح على الفئران الخالية من جهاز المناعة، ووجدوا أنه لم يسبب العدوى، ولم يضرَّ بدماغ المضيف أو يؤدِّ إلى مشاكل سلوكية، والأهم من ذلك أنْ قام الباحثون أيضاً باختبار اللقاح على الفئران المطعَّمة بأحد نوعين من أنواع الورم الأرومي الدبقي التي تنشأ من المرضى البشر، وتمكَّن اللقاح من تقليل نمو الورم بشكل عام، ومن استهداف الخلايا الجذعية السرطانية في الدماغ من كلا نوعي الورم وقتلها، مما أدى إلى إطالة عمر الفئران من 30 إلى 48 يوماً ومن 31 إلى 53 يوماً على التوالي.

وتعدُّ هذه النتائج مشجعة إلى حد كبير، ومع ذلك فما زلنا بعيدين للغاية عن استخدام الفيروس بنجاح للقضاء على أخطر أشكال سرطان الدماغ؛ فأولاً وقبل كل شيء، فإن الاختبار على الفئران لا يساوي أبداً الاختبار على البشر، بالإضافة إلى أن هذه الدراسة بحد ذاتها لم تكن دراسة نموذجية على الفئران بأية حال؛ حيث يشير لاثيا إلى ذلك بقوله: “تتم هذه النتائج في ظل غياب جهاز مناعي سليم، ولذلك من غير الواضح كيف سيتم تغيير جهاز المناعة، الذي يحتمل أن يتم بطريقة إيجابية للحد من نمو الورم”.

ويردد سلون هذه المخاوف مشيراً إلى أن الهدف الآخر للعلاج بالفيروسات يكون -في كثير من الأحيان- توجيه جهاز المناعة لاستهداف الورم نفسه، حيث يقول: “إن المشكلة في نموذج الفئران هذا هي أنه عند تنشيط جهاز المناعة بشكل قوي جداً، فقد تكون هناك تأثيرات التهابية قد تؤدي إلى إيذاء المريض أو موته”.

وما زلنا أيضاً لا نعرف الآلية الدقيقة التي ينتشر بها فيروس ZIKV عبر الجسم مسبباً العدوى، وإلى أن نتمكن من تمييز هذه العمليات ويصبح لدينا طرق قوية لمنع انتقال العدوى، فلن يكون هناك أي حقن زيكا عند البشر لوقف سرطان الدماغ، حتى لو كانت شكلاً مخفَّفاً من الفيروس. وكما كتب مؤلفو الدراسة: “يجب على الفيروس الحالِّ في الورم أن يُظهر توازناً دقيقاً بين الفعالية والأمان ليكون ناجحاً”، وغالباً ما يكون ذلك التوازن صعب التحقيق.

ويقول سلون: “على الرغم من أنني أعتقد أن ذلك ينطوي على إمكانات مثيرة، وأنني أشجعه، إلا أنني لن أعرِّض المرضى لهذا الأمر بعد”.

ومع ذلك -وبالنظر إلى مدى فتك الورم الأرومي الدبقي- فمن المرجح أن العديد من المرضى سيغامرون ويختارون تجربة العلاج المعزَّز بفيروس زيكا، حتى مع وجود خطر للإصابة بالعدوى، كما أن هناك عدداً قليلاً من الخيارات الجيدة لهم، وأي علاج قد يحدُّ من عودة ظهور المرض ويطيل أمد الحياة فإنه يستحق الاستكشاف بالتأكيد.

error: Content is protected !!